بكر عويضة
صحافي فلسطيني بدأ احتراف الصحافة في ليبيا عام 1968 حيث عمل في صحيفة «الحقيقة» في بنغازي، ثم «البلاغ» و«الجهاد» في طرابلس. واكب صدور الصحافة العربية في بريطانيا منذ 1978 فعمل في صحيفة «العرب»، ثم مجلة «التضامن»، وبعدها جريدة العرب الدولية «الشرق الأوسط»، كما عمل مستشاراً لصحيفة «إيلاف» الإلكترونية.
TT

مائة سنة على الأرض

استمع إلى المقالة

لأن الفضل يجب أن يُنسب إلى أهله، كما قالت العربُ من قديم الأزمان، يقتضي الواجب استهلال المقالة بتوضيح أن عنوانها ليس من عندي، بل هو عنوان عدد من الفعاليات التي خُصِّصت الأسبوع الماضي احتفاءً بشخص السير ديفيد أتنبره، بمناسبة بلوغه مائة عام، أمضى جُلّها في توثيق مختلف جوانب الحياة الطبيعية على كوكب الأرض، يخاطر فيخوض مغامرات الاقتراب من أشد وحوش الغابات خطراً، ويتنقل بين الأدغال للتعرف إلى أساليب عيش تلك الوحوش، وكيف يطارد بعضُها بعضاً، وأيها يفوز بالغنيمة قبل الآخر، ويغوص مع فريق التصوير في أعماق البحار والمحيطات، ويعقد صداقات مع حيوانات يمكنها التعايش مع الإنسان، مثل القرود، ويتمشى على ضفاف الأنهار، يراقب تقافز الطيور بين أغصان الأشجار. كل تلك الفعاليات جرى اختصار الإشارة إليها تحت العنوان الآتي: «100 سنة على كوكب الأرض» لديفيد أتنبره.

بدءاً بالملك تشارلز، بدا الحرص واضحاً من جانب البريطانيين عموماً على إعطاء ديفيد أتنبره ما يستحق من تكريم متميز، اعترافاً بتميز عطاء بهجة المعرفة الذي قدمه في مجال التعرُّف إلى كوكب الأرض، وتقديراً لمثابرته على الاستمرار في ذلك العطاء طوال سبعين عاماً من عمره. صحيح أن التقليد الملكي يتضمن إرسال برقية تهنئة إلى كل مواطن بريطاني يبلغ المائة، إنما صحيح أيضاً أن تصرف الملك تشارلز بدا مختلفاً في مناسبة بلوغ السير أتنبره هذا الاستحقاق؛ إذ أتيح لكاميرات التلفزيون أن توثق كيف جلس الملك تشارلز إلى مكتبه وبدأ يخط بيده نص رسالة، وليس برقية فقط، عرض فيها بعض إنجازات أتنبره، وأشار إلى ما ربط بينهما من صداقة نشأت بفعل اهتمام العاهل البريطاني الخاص بشؤون البيئة والطبيعة عموماً.

وعلى منوال والده، شارك الأمير ويليام، ولي العهد، في احتفال غير عادي التأم مساء الجمعة الماضي تحت قبة قاعة «ألبرت هول» الشهيرة، وامتد ساعة ونصف الساعة، قدّمت فقراته، والمتحدثين خلاله، والمتحدثات، نجمة الإذاعة والتلفزيون كيرستي يونغ. في خطابه أمام آلاف الحاضرين، أشار الأمير ويليام بدوره، إلى دور أتنبره المهم، وأشاد بما أسهم به في تعريفه شخصياً، إلى جانب غيره من أطفال العائلة الملكية، مثل غيرهم من أطفال بريطانيا والعالم ككل، كما قال، بالحياة الطبيعية على الأرض. هذا القول دقيق تماماً، لذا من المعروف أن حلقات أتنبره كانت، ولا تزال، إما تُذاع وتبث كاملة في معظم أنحاء العالم، وإما يُعاد إنتاج مضامينها في برامج تشبهها في تلفزيونات بعض الدول. ولذا أيضاً، بدا طبيعياً أن يتحدث في الحفل عدد من كبار الشخصيات العالمية، مثل أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، وكذلك في مختلف حقول الثقافة والفن.

قبل عرضها حفل قاعة «ألبرت هول»، عرضت قناة «بي بي سي» الأولى برنامجاً يتخاصم فيه السياسيون أمام الجمهور. وها هو رئيس الوزراء، السير كير ستارمر، يجرب كل محاججة يستطيعها للبقاء في الموقع. أما السير أتنبره، فليس بحاجة إلى أي محاججة تبقيه موضع احترام ملايين الناس حول العالم. يأتي الساسة ويذهبون، أما المبدعون فيبقى حضورهم متوهجاً، طوال حيواتهم، وبعد رحيلهم.