بوريس جونسون نجا من الكثير لكن هذه المرة مختلفة

بوريس جونسون نجا من الكثير لكن هذه المرة مختلفة

الاثنين - 21 جمادى الآخرة 1443 هـ - 24 يناير 2022 مـ رقم العدد [15763]

عندما خاطب بوريس جونسون، رئيس الوزراء، مشرعين بريطانيين في برلمان محموم يوم الأربعاء الماضي، يبدو أنه كان يرفع عينيه نحو السماء للحظة كأنه يطلب الإنقاذ.
هل كان يدعو من أجل الهروب من مشرعي المعارضة الذين استهزأوا علناً بما يعدّه الكثيرون عدم اعتذار عن حضور حفلة في داونينغ ستريت خلال فترة الإغلاق عام 2020، بعدما أصرّ مراراً وتكراراً طوال الأشهر الماضية على أنه لم يخالف أي قوانين؟ أو ربما من أعضاء حزبه السياسي العابسين المتجهمين، الذين يتحول رأيهم في «القنبلة الشقراء» سريعاً من شخص ذي قيمة انتخابية إلى علامة تجارية سامة، من المرجح أن تتسبب في خسارتهم لمقاعدهم؟
أم أنه من الملايين مثلي في المنزل والشوارع والحافلات والمقاهي، الذين ذُهلوا مما أبداه من عدم احترام كان مستحقاً لمن التزموا القيود منّا باسم الصالح العام، وبالتالي لم يتسنّ لنا توديع أمهاتنا وآبائنا وأصدقائنا المحتضرين؟
كان عرض بوريس جونسون مدرّاً للأرباح، لكنه لم يعد كوميدياً يريد المشاهدون مشاهدته من المؤدي الذي كان يوماً هو المؤدي المفضل لبريطانيا. لقد أردنا ندماً صادقاً وعميقاً، لكننا حُرمنا منه، حيث كانت الرسالة في مجملها أنه لم يرتكب أي خطأ. كانت محاولته للاعتذار سبباً في أزمة سياسية كاملة من صنعه تماماً.
لذا ما قد يبدو مثل رد فعل متضخم تجاه تجمع لأشخاص في حديقة، قد تكون له عواقب تاريخية. حسب المؤشرات رغم أن هذا قد لا يمثل نهاية بوريس جونسون كشخصية عامة، ربما من المؤكد أن يمثل بداية النهاية للرجل «ذي التسعة أرواح».
للمرة الأولى يدعو معسكر جونسون إلى معاقبته، حيث قدّم عدد غير معلوم من المشرعين المحافظين بالفعل خطابات رسمية تطلب سحب الثقة منه. منذ بضعة أسابيع، حين كان يعتمد جونسون على الأغلبية المريحة المكوّنة من نحو 80 مقعداً، كان هناك حديث عن بقائه في السلطة لعقد. لقد غيّر مسار التاريخ البريطاني من خلال تنفيذ اتفاق «بريكست» (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي)، رغم كارثية ذلك الأمر، وبدا لا يُقهر ليس فقط داخل حزبه ولكن أيضاً في البلاد بأكملها.
بصفتي زميلة سابقة له في صحيفة بريطانية في بداية التسعينات، وكاتبة سيرته المستقلة الوحيدة، كنت شاهدة على سنوات نجا فيها جونسون، الذي يشبه هوديني، من كل الأضرار والعقبات والكوارث التي كانت لتُغرق سواه، ومن بينها اتهامات له بالفساد على خلفية تمويل عملية تجديد اتسمت بالبذخ والإسراف لشقته في داونينغ ستريت، وما تضمنته حملته الداعمة لـ«بريكست» من لأضاليل مزعومة، التي تم كشفها الآن بفعل اقتصاد بريطاني يعاني بشدة من أجل التكيف مع العواقب، إلى جانب القعقعة التضليلية ضد الاتحاد الأوروبي، التي يمكنها إحداث المزيد من الألم الاقتصادي بل حتى تعريض السلام في آيرلندا للخطر.
تبدو لائحة الاتهامات بلا نهاية، لكن كذلك يبدو تسامح الشعب البريطاني مع رجل يعدّه الكثيرون مبهجاً ومتفائلاً وواحداً منهم رغم نظرته النخبوية الواضحة. لطالما كان جونسون مدللاً من زوجاته اللاتي يبدو أنهن قد تغاضين عن أفعاله المزعومة مقابل الإثارة، ومن أصحاب العمل الذين تجاهلوا لسنوات ازدواجيته وأنانيته مقابل لمسته السحرية، ومن الناخبين الذين تقبلوا قدراً قليلاً من الفوضى مقابل تصرفاته الشعوبية الودودة المفعمة بالألفة والتفاخر بكون المرء بريطانياً. حتى ذكره لتحكمه في معدل الوفيات المرتفع في البلاد بسبب فيروس «كوفيد»، كان كثيراً ما يثير الرد بالقول إنه: «يفعل ما بوسعه»، أو ربما قد فعل.
في اليوم الذي هاجمه فيه البرلمان بشدة على خلفية المزاعم الخاصة بـ«الحفل»، يقال إنه قد غادر داونينغ ستريت واستلقى داخل سيارته الرسمية لتفادي المصورين، في حين اندفع الآلاف نحو مواقع التواصل الاجتماعي للتعبير عن غضبهم. انضمت إليهم الصحف بعد ذلك، حيث كتبت صحيفة «ديلي ميرور» ذات التوجه اليساري كلمة «عار» في صفحتها الأولى، وكتبت صحيفة «تايمز أوف لندن» ذات التوجه المحافظ أن «رئيس الوزراء المتحدي يرفض المغادرة مع تراجع استطلاعات الرأي بدرجة أكبر»، مشيرة إلى أن استطلاع رأي «يوغوف» قد وجد أن ستة من بين عشرة ناخبين يريدون رحيله، ويتوقع أكثر الناس أن يرتفع ذلك الرقم خلال الأيام المقبلة.
من الواضح أن هناك شيئاً ما قد تغير، وربما يبدو للبعض أنها مشاجرة اجتماعية، لكنه أمر يصل مباشراً إلى قلوب وأرواح أمة. لقد وجد جونسون الجوكر أو البهلوان نفسه أخيراً في قفص اتهام الرأي العام، وانقلبت هيئة المحلفين ضده لأنه قد قلل من شأن تضحياتنا وآلامنا. إنه يستطيع فعل ما يحلو له مع من يريد، مثل حضور حفلة ماجنة للاستمتاع بـ«الطقس اللطيف»، في حين يواجه الآخرون خارج دائرته الساحرة غرامات لالتقائهم بأكثر من صديق في الخارج.
في 19 مايو (أيار) 2020، أي قبل يوم من تلك الحفلة سيئة السمعة في حديقة داونينغ ستريت، دفنت أمي، التي كانت شخصية رائعة تحب الرسم والسباحة في البحر، وتقيم الحفلات مع الأصدقاء؛ لقد ماتت وحدها متأثرة بفيروس «كوفيد». لقد أخبرني المأوى، الذي كانت تقيم فيه بأن كل من كان معها في الطابق نفسه قد توفوا أيضاً. لم يتم السماح لي برؤيتها شخصياً منذ مارس (آذار) من ذلك العام بسبب قيود الإغلاق ومنظومة الرعاية الصحية المكتظة، وتم إخطاري بوفاتها عبر البريد الإلكتروني. طبقاً لتلك القوانين الصارمة نفسها، التي فرضها جونسون، لم يتم السماح سوى لعشرة أشخاص بحضور جنازتها، وتم منع الكثير من أقاربها وأصدقائها وجيرانها من الحضور. كذلك كان محظوراً علينا لمسها. كانت أمي واحدة من بين عشرات الآلاف الذين توفوا وحدهم. كذلك لم يتمكن أبناء وبنات من توديع آبائهم، ولم تتمكن الأمهات الشابات من توديع أبنائهن.
لقد التزم الملايين بتلك القيود، مع كل ما تبعتها من تضحيات، بسبب الشعور المجتمعي، لكن يبدو أن جونسون كانت لديه مشاعر مختلفة. لذا كما أثار الإعجاب به في الماضي نظراً لطريقته المتفردة المتحررة، يثير الآن غضباً وكراهية عميقين بسبب عدم إبدائه للاحترام.
مع ذلك ربما لا تكون نهايته السياسية قريبة، حيث من الضروري أن يقدم 54 من أعضاء حزبه على الأقل خطابات تدعو إلى اقتراح بسحب الثقة من أجل الوصول إلى تنافس على القيادة، ولا يزال الطريق طويلا أمام الوصول إلى هذا الرقم. مع ذلك اتجه النقاش القومي حالياً نحو حقبة «ما بعد بوريس».
عندما أفكر في أدائه البائس يوم الأربعاء، أسأل نفسي عما كان جونسون يفكر فيه وهو يبدو متطلعاً نحو السماء. أشك أنه كان يواجه حقيقة فشله كرئيس للوزراء، وأن التاريخ سوف يحكم عليه بقسوة، كما أني موقنة من أن جزءاً منه كان يسعى نحو التحرر والخلاص من نفسه.


* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو