غونتر غراس والكتابة في مواجهة الجدار

غونتر غراس والكتابة في مواجهة الجدار

الاثنين - 2 رجب 1436 هـ - 20 أبريل 2015 مـ رقم العدد [13292]
عطاء الله مهاجراني
صحافي ايراني

يعد غونتر فيلهلم غراس، وبكل بساطة، حالة فريدة من نوعها، فقد كان فنانًا مبدعًا متعدد المواهب لدرجة مذهلة. وعرفه العالم كروائي مرموق، وشاعر، وكاتب سيناريو، وكاتب مقالات، ورسام، ونحات.
ويمكننا، حسب اعتقادي، أن نتلمس الروح الإبداعية وراء أعمال غراس، الذي وصفه الرئيس الألماني يواخيم غاوك، بأنه بمثابة مرآة الوجه الثقافي لألمانيا، في ثلاثيته: «طبل من قصدير»، و«القط والفأر»، و«سنوات الكلاب».
كان من عادة غراس كتابة رواياته، أو قصائده، وهو يجلس في مواجهة جدار في مكتبته أو غرفته، وكان يهوى الكتابة ضد الممارسات التمييزية وضد الحروب.
في إحدى المرات قال: «إذا أردت أن تكتب عن الحرب، فعليك أن تجلس مواجهًا لجدار. تدمر الحرب المنازل، والمصانع، والمزارع، وتخلف جدارًا داخل عقل الإنسان وقلبه. وأكبر ما تخلفه الحروب هو ما يبقى بداخلنا».
كان في كثير من الأحيان يكتب عن المجتمع، ومشكلاته، والكوارث التي يشهدها بنفسه. وكان يأنف من كتابة روايات تطغى عليها فنيات الكتابة، بل كان دومًا يسعى للمس عصب الواقع في كتاباته. وها هي النتيجة، ففي كل مرة نتصفح رواياته، يهب علينا ذلك النسيم العليل الساحر الذي تحمله كلماته المحلقة في عوالم الأساطير الغامضة.
في روايته «طبل من قصدير»، كان الصوت المنبعث من الطبلة التي يدق عليها أوسكار ماتزيراث، ذلك الصبي صاحب الروح الخلابة المسجونة في جسد طفل معاق في الثالثة من عمره، لم يكن صوت طبلة من قصدير، بل كان صوت خفقان قلب أمة عظيمة تطمح في اجتياز أوحال النازية، كان صوت تلك الأمة التي لا ترى في شعارات الاشتراكية الوطنية البراقة سوى سراب. لم يكن هناك قطرة ماء، ولم يكن هناك سوى جلبة.
تشكلت شخصية غراس أثناء الحرب العالمية الثانية، وهو ما دفعه للتركيز بصراحة في رواياته، ومقالاته، وقصائده، ومقابلاته، على خوفه من اندلاع حرب عالمية جديدة.
وكانت آخر مقابلة أجراها قبل رحيله، مع صحيفة «الباييس» الإسبانية، حيث تحدث فيها عن مخاوفه من نشوب حرب عالمية جديدة فقال: «لدينا من جانب أوكرانيا التي لم يشهد موقفها أي تحسن، أما في إسرائيل وفلسطين فالأوضاع آخذة في التفاقم، وهناك الكوارث التي خلفها الاحتلال الأميركي للعراق، والفظائع التي ارتكبها تنظيم داعش، والأزمة السورية، وهناك حرب تدور رحاها في كل مكان، وها نحن نخاطر بارتكاب الأخطاء نفسها مرة أخرى. إذا عجزنا عن إدراك كل ذلك، فسنسير نحو حرب عالمية جديدة كما يسير النائم أثناء نومه».
وتحدث في تلك المقابلة عن قصيدة نشرت له بعنوان «ما يتوجب قوله».
كان الخوف من اندلاع حرب جديدة هو شغله الشاغل، وهو ما دفعه، بصفته واحدا من أعظم الرموز الثقافية في العالم، إلى كسر حاجز الصمت، ودق ناقوس الخطر.
هل سيستيقظ السائرون نياما، وينصتون لتحذيرات غراس؟
«كسرت جدار الصمت الذي يطوقني لأنني مللت من نفاق الغرب وأتمنى أن يتحرر الكثيرون مثلي من صمتهم المطبق لأنني أتمنى أن يطالبوا أولئك المسؤولين عن الأخطار المحدقة بنا أن ينبذوا استخدام القوة»
من الجلي أن لكل من الساسة، ورجال الأعمال، والفنانين، وكل إنسان آخر، أفكاره ومُثُله الخاصة به، المبنية على أسس شخصية، إزاء مسألة الحرب.
وغني عن القول إن الحرب تمثل لتجار السلاح فرصة عظيمة، فيما ينظر لها الساسة باعتبارها فرصة لفرض نفوذهم وممارسة سلطاتهم. أما الفنانون مثل غونتر غراس، فيهتمون فيها بأمر الأبرياء، وخصوصا الصغار منهم الذين يكونون دومًا في مقدمة ضحايا جميع الحروب.
وبطبيعة الحال، تأتي لغة غونتر غراس، ومواقفه، مختلفة عن لغة ومواقف جورج بوش، أو توني بلير، فالإنسانية التي يشعر بها الفنانون هي التي تدفعهم لمناهضة الحروب، فهم يعرفون وكما يوضح تاريخ البشر، أن الحروب لا تجلب معها سوى الويلات.
في روايته الشهيرة، «1984»، ذكر جورج أورويل أن هناك 3 شعارات معلقة على جدار وزارة «الحقيقة» هي: «الحرب سلام، والحرية عبودية، والجهل قوة». لقد تنبأ أورويل بالأوضاع السياسية، والاجتماعية، التي نشهدها، والتي تتسم بالغموض وتثير الحيرة.
ومن جانب آخر، في الفصل الأول الذي يحمل عنوان «تأملات في الحرب» من كتابه «خمس مقالات أخلاقية»، يقتبس أمبرتو إيكو مقولة للروائي الإيطالي فيتوريني يقول فيها: «على المثقفين ألا يدقوا طبول الثورة»، فالحرب والثورة ينبعان من البئر نفسها، والسبب الأساسي وراء كل حرب وثورة هو انعدام الثقة بين الحكومة والشعب أو بين الحكومات وبعضها البعض.
يحكى أن هناك زعيما من زعماء عصابات المافيا، تحدث ذات مرة عن ذكريات طفولته، وكيف أن أباه جعله يتسلق جدارًا، ثم دعاه بعدها للقفز من فوقه، واعدًا إياه بتلقفه.
ورفض الطفل في البداية، ولكن أباه ألح عليه إلى أن رضخ لإلحاحه، وأقدم على القفز ليسقط بعدها على الأرض منبطحًا على وجهه.
وكانت الحكمة التي أراد أبوه أن يعلمها إياه تتلخص في الكلمات التي قالها له بعد سقوطه: «عليك أن تتعلم ألا تثق بأي إنسان حتى لو كان أباك أو أمك». (فرانسيس فوكوياما «نهاية التاريخ». صفحة 4).
يا له من أمر غريب حقًا، فقصة الجدار تكررت مرة أخرى على لسان زعيم المافيا المتقاعد. لنتذكر كيف كان يجلس غونتر إزاء جدار حينما يكتب عن الحرب.
على الرغم من أن الروائي يخلق عوالم جديدة في كتاباته، فإنه يسعى للتركيز على جوهر الحياة، وعلى ما يبقى، لذا فهو يفكر فيما يتعين عليه قوله!
في خطابه الذي ألقاه بمناسبة فوزه بجائزة نوبل في عام 1999، اختار غونتر غراس، بتمعن، عنوانًا هو «يتبع». لقد وضع غراس إصبعه على بداية التاريخ البشري حينما قال: «منذ أيام قابيل وهابيل كانت الأرض تزخر بقصص عن القتل والذبح». على ما يبدو أن العنف، وسفك الدماء، من عادات البشر.
ولهذا، وربما لهذا السبب بالذات، عندما خلق الله الإنسان وجعله خليفته على الأرض، قالت له الملائكة حينها:
«أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء». (البقرة 30)
وفي محاولته لخلق عالم جديد، قدم غراس كل ما في وسعه لتذكيرنا بصوت الطبل المصنوع من القصدير، ذلك الصوت الذي يبين لنا أنه بإمكاننا النظر إلى الظواهر من منظور آخر.
في عالمنا هذا، هناك أعداد هائلة من الأطفال الصغار الذين لا يكبرون في سلام، وحياتهم قد تنتهي في أي لحظة بسبب الحروب الدائرة حولهم، ونحن لا نستطيع سماع أصواتهم، لذلك قدم لنا غراس رمزًا لأولئك الصبية، الذين يمكنهم التحدث معنا من خلال صوت طبل القصدير.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة