تواجه العديد من المنظمات الربحية في الدول التي تطبق مبدأ المنافسة العادلة في السوق وتنمو وتيرة الاقتصاد فيها بشكل متسارع، مشكلة في استقطاب الموظفين ذوي الكفاءات العالية والمحافظة عليهم لمدد أطول، مما يؤثر سلباً في الوصول إلى الأهداف وتحقيق الخطط الاستراتيجية الخاصة بها.
وكما توجد العديد من الأنظمة والبرامج المادية التي يتم استخدامها من قبل هذه المنظمات من أجل معالجة هذه الإشكالية، حيث تقدر تكلفة هذه البرامج مثل العلاوة السنوية المرتبطة بالأداء والمكافأة السنوية بنحو 10 في المائة من الفاتورة الإجمالية للرواتب لدى العديد من هذه المنظمات، إلا أنه وفي ظل التنافس الشديد بين هذه المنظمات لاستقطاب والمحافظة على الكفاءات، لم يعد المقابل المادي كفيلاً بوضع المنظمة على رأس هرم أفضل المُوظفين في سوق العمل، وبات من الضرورة إيجاد المزيد من الأنظمة والبرامج الخاصة بهذا المجال لكي تصبح المنظمة ذات ميزة تنافسية في السوق.
وفي ظل النمو المتزايد للاقتصاد السعودي كنتاج لرؤية 2030، تبرز أهمية كفاءة إدارات رأس المال البشري كإحدى المحددات الرئيسية لنجاح المنظمات في تحقيق أهدافها وخططها الاستراتيجية.
ما قد يتم إغفاله في العديد المنظمات هو أن الحوافز المادية وحدها، ورغم أهميتها البالغة على التحفيز وجذب الكفاءات، إلا أنها تنطوي على العديد من المخاطر في حال تم تطبيقها بشكل خاطئ، مما يدفع بالموظفين إلى التفكير قصير المدى والتشجيع على تحقيق النجاحات الوهمية، وكما قد تزيد من تسرب الموظفين إذا لم يتم إيجاد نظام واضح يضمن العدالة ويأخذ جميع المتغيرات في عين الاعتبار.
وعلى ذلك، تفشل الحوافز المادية وحدها - كما وجدت العديد من الدراسات - بتحريك ما يعرف بـ«المحفز الداخلي»، وهو الدافع النابع من شعور الموظف في الحاجة لإتمام المهام الموكلة إليه بما يفوق التوقعات لأجل الشعور بالرضا الداخلي دون مكافأة خارجية بينة. ومن هنا تظهر أهمية برامج التحفيز المعنوية الخاصة باستحداث علاقة ولاء وارتباط بين الموظف والمنظمة وشعور الموظفين بالحاجة لتحقيق الأهداف الخاصة بالمنظمة. فقد وجدت دراسة لمنظمة «CIPD» المختصة بتنمية وتطوير الموارد البشرية أن الموظفين يولون أهمية أكبر للحوافز غير المادية، مثل إشراكهم في عملية اختيارهم للمهام التي سوف يقومون بها، والنقاش معهم حول طبيعة العمل المناط بهم. ورغم الصعوبة النسبية لاستحداث مثل هذه الممارسات مقارنة بنظيرتها المادية، نظراً لحاجة المنظمة لبذل المزيد من الجهد في التغيير على صعيد الثقافة التنظيمية، وتوفير البرامج اللازمة لإكساب الموظفين المزيد من المعرفة والمهارات، إلا أنها تحد من الزيادة في التكلفة الإجمالية لأنظمة الحوافز والمكافئات. فعلى سبيل المثال، تستطيع المنظمات الاستثمار في الموظفين من خلال وضع برامج تدريبية يتم من خلالها إكساب الموظفين المزيد من المعرفة والمهارات التي تجعلهم على درجة أعلى من الكفاءة ترفع من رصيدهم على المستوى الفردي في سوق العمل، وفي المقابل يقوم الموظفين بتقديم المزيد من الأداء نتيجة للحصول على تلك البرامج، وكما يتم ضمان بقائهم لمدد أطول من أجل الحصول على التنمية والتطوير.
يكمن الحل من وجهة نظري بوجوب وجود الرغبة لدى المنظمة في التغيير على مستوى الثقافة التنظيمية ككل، واستحداث حزمة تمزج بين الحوافز المادية والمعنوية... فمع المقدار المناسب والتطبيق الصحيح لهذه الوصفة، يمكن للمنظمة الوقوف كأحد أفضل المُوظفين في سوق العمل مع المحافظة على تكلفة فاتورة الرواتب في المستويات المقبولة.
- باحث سعودي متخصص في الإدارة
