جمعة بوكليب
كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن.
TT

ليبيا: أول انتخابات رئاسية

في تعليقه، مؤخراً، حول الانتخابات الرئاسية الليبية، التي ستجرى في الأسبوع الأخير من هذا الشهر، قال الأمين العام للأمم المتحدة السيد أنطونيو غوتيريش: «نريد للانتخابات أن تكون جزءاً من الحل وليس من المشكلة».
تصريح السيد غوتيريش جاء تعبيراً عن مخاوفه من النهاية، التي من المحتمَل أن تسير نحوها الانتخابات. ومع مراعاة الفروق، يمكن القول إن الانتخابات الرئاسية الليبية وما يشوبها من خلط في الأوراق، وما سببته من ارتفاع ملحوظ في درجات التوتر العام بالبلاد، أمر ليس مخالفاً للمألوف ولا خارجاً عن نطاق التوقعات، في بلد خارج من أتون حرب أهلية، وما زال الصراع فيه محتدماً على السلطة والثروة، بين أطراف محلية متنافسة ومتقاتلة، ومدعومة بأطراف خارجية عربية وإقليمية ودولية. والاعتقاد بأنها ستقود إلى حل يرضي الجميع، ويضع نهاية للصراع، مبالغ فيه، وبعيد عن الواقع، ويوضع تحت خانة التفاؤل الساذج.
ويمكن القول إنه لا شيء يشبه تحوّلات وتبدلات الفيروس «كورونا» مثل الانتخابات الرئاسية الليبية، إذ إنها تُعقَد للمرّة الأولى. وهذا يعني أنها بلا أساسات تاريخية ولا سوابق يمكن الاستشهاد بها والقياس عليها، وأن التعثر السائد والملحوظ في برمجتها عموماً والتعامل معها متوقَّع، وناجم عن انعدام خبرة وتجارب جهة الإشراف ممثلة في المفوضية العليا للانتخابات، إضافة إلى ما يحيط بها من أجواء رعب، في بلد لم يعرف استقراراً منذ عقد من السنوات، ولم يجد، حتى الآن، طريقاً تقوده إلى ميثاق اجتماعي متوافق عليه، ويعجُّ بالسلاح وبالمقاتلين. ناهيك بأنها ستجرى من دون أساس دستوري. فلا أحد يعلم، حتى هذه اللحظة، ما إذا كان الرئيس القادم سيكون رئيساً للبلاد مدى الحياة أم لفترة زمنية مؤقتة. خلال الأيام الأخيرة تابعنا توريط طرف جديد فيها ممثلاً بالسلطة القضائية، إذ تحولت المحاكم إلى ساحات لفض خلافات بين المفوضية العليا للانتخابات وعدد من المرشحين مُنعوا من الترشح لعدم استيفاء الشروط، وقضى القضاة بعودتهم إلى السباق. الأمر الذي دعا كثيرين من المعلقين في ليبيا إلى وضع علامات استفهام حول المفوضية ومَن يسيّرونها. بل إن بعضاً منهم لم يجد صعوبة في اتهام رئيسها بالانحياز إلى أطراف بعينها.
وهي انتخابات يخوضها نحو مائة مرشح، أغلبهم غير معروفين، بلا حملات انتخابية، ولا مناظرات، ولا ملصقات ودعايات... إلخ. ومرشحو المنطقة الغربية ليس بإمكانهم التنقل للقاء الناخبين في المنطقتين الشرقية والجنوبية والعكس صحيح، والمرشح الوحيد الذي تجرأ على مخالفة الأمر الواقع، وقام بزيارة مدينة في الشرق، تعرض للاعتداء بالضرب.
المتنافسون المتوقع اشتداد حمّى التنافس بينهم على أصوات الناخبين، في رأيي، لا يتجاوزون ثلاثة، وهم: رئيس الحكومة السيد عبد الحميد الدبيبة، وسيف الإسلام القذافي، والمشير خليفة حفتر. الأول والثاني منهم نجحا في تقويض أمر منعهما من الترشح بلجوئهما إلى الطعن في أمر المنع لدى القضاء. ونظراً لغياب الإحصائيات، وانعدام استبيانات الرأي العام، فلا أحد بمقدوره التكهن بحجم التأييد الشعبي لكل منهم. كما أن التلاعب الحادث في سجلات الناخبين، وسرقة بطاقات التصويت، وانتشار الشائعات عن رواج بيعها بأسعار مرتفعة، يجعل من الصعوبة بمكان التكهن بمَن مِن المرشحين الثلاثة أقدر على الوصول إلى الدور الثاني من السباق؛ فلكل منهم أنصاره في جميع مدن ومناطق البلاد. وهم منقسمون على خطوط قبلية وجهوية.
وعلى سبيل المثال، فإن حظوظ المشير حفتر بنيل أصوات الناخبين في المنطقة الشرقية، التي يسيطر عليها، مشكوك فيها، لدخول رئيس مجلس النواب المستشار عقيلة صالح حلبة السباق. وهذا يعني ضمان حصده لأصوات الناخبين من قبائل العبيدات وحلفائهم في منطقة الجبل الأخضر. في حين أن قبائل العواقير وحلفاءهم ستكون على الأرجح من نصيب المشير. هذا الانقسام القبلي في الأصوات قد يضعف حظ الاثنين في الفوز، ويزيد من حظوظ المرشحين الآخرين.
مقابل خط التنافس القبلي يقع خط التنافس الجهوي. بمعنى أن خسارة المشير حفتر لتلك الأصوات من الممكن تعويضها جهوياً، لانتشار قاعدته الشعبية من المؤيدين في كثير من مدن الغرب. في حين يفتقد المستشار عقيلة ذلك. ويرى كثير من المعلقين أن الجنوب الليبي ما زال قلعة حصينة يتخندق بها أنصار النظام السابق، وأن حظوظ المرشح سيف القذافي بارزة هناك، مضافاً إليها انتشار أنصاره في منطقة الوسط وقاعدتها مدينة سرت، وفي غيرها من المدن الليبية الأخرى، غرباً وشرقاً. وفيما يخص المرشح الثالث، فالأمر يختلف؛ فالسيد الدبيبة أصيل مدينة مصراتة، وهي مدينة تتميز بكثافة سكانية عالية، لكنها سياسياً منقسمة على خطوط قبلية، وربما عقائدية أيضاً، وبين منافسين لا يمكن التقليل من حجم قاعدتهم الشعبية في مصراتة وغيرها من المدن الليبية الأخرى، مثل وزير الداخلية السابق في حكومة الوفاق السيد فتحي باشاغا. إلا أن ما قام به السيد الدبيبة من أعمال، خلال الشهور القليلة الماضية، من خلال ترؤسه للحكومة رفعت من شعبيته في كل أنحاء البلاد.