القضية الفلسطينية تكسب في الخارج

القضية الفلسطينية تكسب في الخارج

الثلاثاء - 11 شهر ربيع الثاني 1443 هـ - 16 نوفمبر 2021 مـ رقم العدد [15694]
داود الفرحان
كاتب عراقي

كان مشهداً مألوفاً أن تهرّب سفيرة إسرائيلية يوم الثلاثاء الماضي من مؤتمر في لندن تحت حراسة مشددة. لقد تكررت هذه الحالة المهينة عشرات المرات مع وزراء وسفراء ومسؤولين إسرائيليين في دول أوروبية وآسيوية وأميركية. لم تعد تل أبيب تشعر بأي استياء بسبب تكرار هذه الحالة حتى أصبحت مسألة عادية ومتوقعة في أي مؤتمر أو نشاط يحضره من يمثل إسرائيل.
تلقت السفيرة الإسرائيلية في بريطانيا تسيبي حوتوفلي دعوة من اتحاد طلاب كلية لندن للاقتصاد لحضور منتدى حواري، في خطوة أثارت غضب المتضامنين مع القضية الفلسطينية والمناهضين للعنصرية الإسرائيلية. وقال المتظاهرون وهم يمنعون السفيرة من المشاركة في النقاش إنها تدعو إلى الاستعمار الاستيطاني وانخرطت في خطاب معادٍ للإسلام ومارست العنصرية ضد الفلسطينيين.
وأظهر مقطع فيديو من موقع الحادث أن حراس الأمن كانوا يدفعون حوتوفلي خارج المبنى مهرولين إلى سيارتها، ومن ثم دخلت إلى السيارة وغادرت المكان بسرعة وخلفها سيارة حماية.
السبب الذي دفع النشطاء إلى طرد السفيرة يعود إلى أنها كانت وزيرة للاستيطان الإسرائيلي في الأراضي والممتلكات الفلسطينية. وقد نجحت السلطة الفلسطينية والناشطون العرب في إثارة هذه القضية المصيرية على الصعيد العالمي حتى داخل الولايات المتحدة، التي اضطرت أكثر من مرة إلى الطلب من تل أبيب وقف عمليات الاستيطان، إلا أن الحكومة الإسرائيلية تلكأت ولم تستجب إلا في أضيق الحدود، وما زالت حملات الاستيطان الصهيوني على قدم وساق في المناطق الفلسطينية وأهمها القدس، سواء كانت مساكن أو مزارع أو مؤسسات.
وذكرت السفيرة أنها تلقت مكالمات دعم هاتفية من رئيس وزراء إسرائيل ووزير الخارجية وشخصيات بريطانية. وهذا الحادث هو الثاني في أسبوع واحد في المملكة المتحدة، إذ لم تتمكن وزيرة الطاقة الإسرائيلية كارين الحرار من الوصول إلى مجمع المؤتمرات في قمة المناخ في مدينة غلاسكو الاسكوتلندية شمال المملكة المتحدة. والسبب هذه المرة ليس النشطاء الفلسطينيين أو المتضامنين مع القضية الفلسطينية، لكن الوزيرة المقعدة التي تتنقل بواسطة كرسي متحرك، اضطرت بسبب إغلاق السلطات البريطانية جميع الطرق المؤدية إلى مكان القمة إلى أن تعود أدراجها إلى الفندق. وتعبيراً عن غضب الوزيرة قالت: «إنه سلوك شائن ما كان يجب أن يحدث، لقد جئت لأغراض معينة ولم أستطع تحقيقها».
يعرف القاصي والداني أن بريطانيا هي من وضع «حجر الأساس» لقيام دولة اسمها «إسرائيل»، عبر وعد وزير الخارجية البريطاني بلفور المشؤوم في عام 1917، أما عمر إسرائيل فهو من عمر الحرب العربية – الإسرائيلية في عام 1948 وامتدت مساحتها إلى ما هي عليه اليوم نتيجة لهزيمة 1967.
ورحم الله مارغريت ثاتشر ابنة البقال في إحدى القرى الإنجليزية الصغيرة، التي أصبحت أول رئيسة وزراء لبريطانيا، وأول زعيمة لحزب المحافظين، صاحبة لقب «المرأة الحديدية»! فقد كانت تعرف غدر الصهاينة جيداً، وقد كشفت الوثائق السرية البريطانية «أنها كانت تخشى حرباً طويلة ومرهقة تستخدم فيها إسرائيل قنابل نووية ضد جيرانها العرب لإنهاء الحرب في أقصر وقت وتفادي خسارة لا شك فيها تهدد كيانها» حسبما جاء في إحدى برقيات سفارة بريطانيا في تل أبيب بعثت بها إلى لندن في عام 1980 جاء فيها أيضاً «أن إسرائيل تشعر بالعزلة، وإذا شعرت أنه سيتم تدميرها فستكون على استعداد لاستخدام أسلحتها النووية لأنها لا تستطيع الصمود في حرب طويلة».
وحدث في عام 1987 أن أمرت مارغريت ثاتشر بإغلاق مكتب الموساد في لندن لبعض الوقت بعد اختطاف العالم النووي الإسرائيلي مردخاي فعنونو المغربي الأصل الذي عمل في مفاعل ديمونة الإسرائيلي في منشأة تحت سطح الأرض في صحراء النَقب لإنتاج مواد البلوتونيوم والليثيوم والبريليوم التي تدخل في صناعة القنابل النووية، وهي قصة تستحق أن تُروى، فقد درس هذا الرجل الفلسفة في جامعة بن غوريون وتعلق بالنشاط السياسي بعد أن اقتنع بالحقوق الفلسطينية وتحمس للأفكار المناهضة لإسرائيل. وحين علم فعنونو في عام 1985 أنه سيفقد عمله في المفاعل قرر الرحيل وأخذ معه صوراً سرية مهمة. ونشرت صحيفة «صنداي تايمز» أسرار الترسانة النووية الإسرائيلية كما فضحها فعنونو لأول مرة، واتضح أن البرنامج النووي الإسرائيلي أكبر وأكثر تقدماً مما كان يُعتقد في السابق. وكشف فعنونو أن إسرائيل تمتلك معدات في نفس المفاعل لاستخراج المواد الإشعاعية المخصصة للإنتاج العسكري ونماذج معملية للأجهزة النووية الحرارية. أمضى العالم اليهودي تسع سنوات في المفاعل السري وترك العمل في عام 1985 وانتقل إلى دول الشرق الأقصى فزار النيبال وميانمار وتايلند، ثم رحل إلى أستراليا واعتنق المذهب الإنجيلي المسيحي تاركاً الدين اليهودي. ولأنه متقلب المزاج فقد غادر مدينة سيدني في أستراليا إلى لندن، ثم رحل إلى العاصمة الإيطالية روما حيث اختطفه الموساد وأعاده إلى إسرائيل التي حكمت عليه بالسجن 18 سنة من بينها 11 سنة سجناً انفرادياً، وتم إطلاق سراحه عام 2004.
وكانت إسرائيل قد بدأت محاولة امتلاك أسلحة دمار شامل بعد قيامها في عام 1948. وفي عام 1986 استطاعت امتلاك ما بين 100 و200 رأس نووي صنعتها خلال عشرين عاماً. لكن واشنطن لا تعد تلك القنابل الإسرائيلية من أسلحة الدمار الشامل بينما تعد قنينة ديتول عراقية من أسلحة الدمار الشامل!
باختصار: تم ترشيح فعنونو لنيل جائزة نوبل للسلام في كل الأعوام من 1988 إلى 2004 ولم ينلها، إلا أنه حصل على درجة الدكتوراه الفخرية الأولى من جامعة نرويجية والثانية من جامعة اسكوتلندية وجوائز أخرى قيمة. وأدانت منظمة العفو الدولية إسرائيل على خطفه من إيطاليا ومنحته المنظمة لقب «أسير الضمير».
لم تقلع إسرائيل عن عادتها في تجاوز الأعراف الدبلوماسية وارتكاب عمليات غير قانونية في بريطانيا ودول أخرى، ففي عام 2010 قررت الحكومة البريطانية طرد دبلوماسي إسرائيلي بسبب استخدام جوازات سفر بريطانية مزوَّرة في اغتيال القيادي في حركة «حماس» الفلسطينية محمود المبحوح في أحد فنادق دبي بالإمارات، وهي فضيحة هزت عدة دول أوروبية تم استخدام جوازاتها في العملية. وقبل ذلك في عام 1987 عثرت السلطات الألمانية على جوازات سفر بريطانية داخل كشك هاتف في ألمانيا الغربية تم التعرف على شخصيات أصحابها وهم عملاء للمخابرات الإسرائيلية، على الرغم من «تعهد» تل أبيب بعدم استخدام جوازات سفر بريطانية في أي عملية سرية. وحدثت في عام 2004 عملية إسرائيلية غير شرعية بقيام اثنين من عملاء الموساد باستخدام جوازي سفر نيوزيلنديين، فجمّدت نيوزيلندا علاقاتها الدبلوماسية مع تل أبيب، لكنها استأنفتها بعد اعتذار الجانب الإسرائيلي.
قبل أيام استقال ثلاثة جنرالات أعضاء في رئاسة الأركان في الموساد ورؤساء ثلاثة أقسام مركزية هي: قسم التكنولوجيا، وقسم الحرب على الإرهاب، وقسم تشغيل عملاء الموساد، وذلك بسبب تعديلات «جوهرية» في هيكل الجهاز يجريها حالياً رئيس الموساد الجديد ديفيد برنياع. ومن المتوقع أن يستقيل أيضاً رئيس قسم الحرب الاستراتيجية «التي ستتسبب في هزة في الموساد تترك آثاراً مدمرة وتقوض عمليات استراتيجية» كما ذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» في عددها يوم السبت الماضي.
منذ أيام وليم شكسبير لا يشعر بعض الإنجليز بارتياح في التعامل مع اليهود قبل قيام إسرائيل وبعدها. وقد أجّلت بريطانيا الاعتراف بإسرائيل كدولة لمدة ثمانية أشهر في حين أن الولايات المتحدة اعترفت بالدولة المصطنعة خلال دقائق!
توصل كثير من السياسيين المعاصرين إلى حقيقة صادمة هي أن إسرائيل ليست مصدراً لترويع الشعب الفلسطيني وحده، وإنما العالم كله. ما سر هذه «البلطجة» التي تمارسها إسرائيل بحيث إنها لا تلتزم بأي قوانين أو معاهدات أو محظورات، كأنها تملك الدنيا وما فيها؟ وإذا أضفنا إلى تل أبيب ما تفعله طهران فعلى الأرض «الخراب».
الموساد هو اللاعب الإسرائيلي الرئيسي في الخارج، وليست سفارة إسرائيل. لذلك فإن الرأي العام العالمي مع الشعب الفلسطيني وليس مع دولة الموساد. وهنا نستطيع أن نقول إن القضية الفلسطينية تكسب في الخارج بينما تخسر إسرائيل في قضايا حل الدولتين والقدس والاستيطان الاستعماري وقصف المدنيين بالطائرات والصواريخ واغتيال النشطاء واعتقال آلاف الفلسطينيين.. وعلى السلطة الفلسطينية أن تعي ذلك وتبني عليه.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو