نجيب صعب
الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) ورئيس تحرير مجلة «البيئة والتنمية»
TT

وظائف يخلقها تنفيذ الخطط لا كتابة التقارير المناخية

المديرة التنفيذية لسكرتارية تغير المناخ في الأمم المتحدة، باتريسيا إسبينوزا، بعثت برسالة شكر إلى الحكومات التي قدمت تقارير عما حققته من التزامات طوعية حتى الآن، والمساهمات الجديدة التي تنوي تنفيذها خلال الفترة المقبلة. وتأتي هذه التقارير من ضمن الاستعدادات لقمة المناخ السادسة والعشرين التي تعقد في مدينة غلاسكو الاسكوتلندية بعد أقل من شهرين.
يظهر من قراءة رسالة إسبينوزا إلى بعض البلدان أنها اختارت عبارات عمومية، اعتبرت أن مجرد تقديم التقرير إنجاز في حد ذاته، وكأنما الآلية أهم من المحتوى. وهي نوهت بالنيات الحسنة التي عبرت عنها الدول لتسريع تخفيض الانبعاثات الغازية خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب توسيع استخدامات الطاقة المتجددة. وإذا كانت الرسالة المقتضبة تجاهلت الحديث عما أمكن تحقيقه من وعود وطنية مناخية خلال الفترة الماضية، فلا شك في أن هذا سيكون موضع بحث في قمة غلاسكو، إذ إن التخطيط للمستقبل لا بد من أن يستفيد من تجارب الماضي، نجاحاً وفشلاً.
لكن تركيز الرسالة على الطاقة المتجددة وكأنها الوسيلة الوحيدة لخفض الانبعاثات يتجاهل أمرين أساسيين: الأول هو تحسين كفاءة استخدام الطاقة بالطرائق التكنولوجية، والحد من التبذير عن طريق تعديل الأنماط الاستهلاكية. أما الثاني فهو تطوير تكنولوجيات التقاط الكربون الناجم عن حرق الوقود، وإعادة استخدامه في عمليات صناعية إنتاجية نظيفة، أو احتجازه وتخزينه بطرائق مأمونة. فهذه الأساليب، مجتمعة مع الطاقة المتجددة، وحدها كفيلة بتخفيض الانبعاثات وتحقيق التطور الاقتصادي والاجتماعي على نحو متوازن.
لقد تم تخصيص مساعدات بالملايين للبلدان النامية، لدعم إعداد التقارير عن المساهمات الوطنية لخفض الانبعاثات. وجاءت الأموال من منظمات وصناديق دولية، كما من وكالات تنمية تابعة للدول الصناعية. عملت على التقارير مجموعات من الشركات الاستشارية والخبراء، بالتعاون مع الوزارات المعنية. وكانت العملية تمريناً مفيداً، حث على جمع المعلومات ووضع أهداف بالتعاون مع هيئات حكومية وأكاديمية وأهلية مختلفة. وفي بعض الحالات ساهم العمل على التقارير المناخية في إقامة تعاون غير مسبوق بين الأجهزة الحكومية المختلفة، وإنشاء لجان وطنية دائمة لمتابعة قضايا المناخ وربطها بالتنمية.
من الأمثلة البارزة في هذا المجال الأردن، حيث أنجز تقريرا مناخيا علميا دقيقا ومفصلا. وقد أنشئت لجنة عليا للعمل المناخي تضم الأمناء العامين لـ16 وزارة، وتعهدت الحكومة بمضاعفة تخفيض الانبعاثات خلال الفترة المقبلة، إلى جانب خطة عمل للتكيف مع آثار التغير المناخي. كما وضعت قوانين تحكم النشاطات التي تؤثر في المناخ، وكان سبق هذا سياسات لتشجيع مشاريع الطاقة المتجددة. ولكن في حين اعتبر العاملون على هذه الخطط أنها تهيئ الأرضية لاستقطاب أنواع من «التمويل المناخي» تدعم الاقتصاد وتخلق الوظائف، كان لافتاً أن خطة التحفيز الاقتصادي الأخيرة في الأردن خلت من أي إشارة إلى الاقتصاد الأخضر.
لبنان كان بين الدول التي امتدحت رسالة إسبينوزا «البعد الاستراتيجي» في التقرير الذي قدمته الحكومة عن المساهمة الوطنية في خفض الانبعاثات والاستعداد لمواجهة آثار التغير المناخي. وكما الأردن، قام الفريق اللبناني بعمل ممتاز في إعداد التقرير، وفق المعايير المحددة. لكن تحقيق مندرجات التقرير لا يقوم على فريق الإعداد، بل يتطلب عملاً حكومياً، من إقرار قوانين وتطبيق إجراءات تنفيذية. وهذا يستدعي، أساساً، وجود حكومة عاملة ودولة تتمتع بالمقومات الأساسية، مما يجعل البحث في تغير المناخ وسط الظروف اللبنانية الراهنة نوعاً من الترف الفكري ذي الطابع السوريالي. ويذكر هذا بخطة وزارة البيئة قبل سنوات لتشجيع السيارات الكهربائية، في وقت كان لبنان يعاني أزمة طويلة ومتواصلة مع انقطاع التيار الكهربائي. وقد اتهمنا الوزير في حينه بالسلبية رداً على مقال بعنوان «الكهرباء قبل السيارات الكهربائية».
خفض الانبعاثات الكربونية لمواجهة التغير المناخي مسألة مهمة جداً، لكنها لا تختصر كل التحديات البيئية والاقتصادية. كما أن إعداد التقارير الأنيقة عن النيات المناخية للبلدان لا يعني بالضرورة إمكان تحولها إلى أفعال. فهي في بعض الأحيان غير عملية ولا تصلح للتطبيق، وفي معظم الأحيان تهملها الحكومات ولا تدرجها في أولوية اهتماماتها. فالتقرير المناخي الممتاز في الأردن، مثلاً، وكل اللجان والقوانين المحيطة به، لم تمنع التوجه الحكومي نحو قضم أراضي ضانا، إحدى أهم محميات المحيط الطبيعي في العالم، لأغراض التعدين. كما أنها لم تمنع نائباً من التصريح، الذي نقلته صحافية أردنية، بأنه «بلا محميات وبلا غزلان وبلا بطيخ»، وأيده زميل بقوله: «كلهم كم غزال، أنا أقتلهم وخلينا نستثمر».
نفهم تخوف بعضهم من»التطرف البيئي»، الذي لا يرى في الطبيعة إلا لوحات جمالية منفصلة عن حياة البشر. لكن البديل ليس في تدمير الطبيعة بلا حساب للعواقب، إذ إن الفوائد الآنية قد تقضي على قدرة التجدد والاستمرار في المستقبل. فالاقتصاد الصحيح يقوم على الاستثمار المتوازن لموارد الطبيعة، بما يحفظ حقوق الأجيال المقبلة ويؤمن استدامة الاستثمار والإنتاج.
الجواب يكون في التزام الحكومات بتحويل التقارير والدراسات إلى برامج اقتصادية عملية، تقوم على الإنتاج النظيف والاستثمار المتوازن في الموارد الطبيعية. ومن واجب المنظمات والوكالات التي تقف وراء هذه التقارير الجميلة أن تقترح خططاً عملية توازن بين المتطلبات البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
نحن بحاجة إلى التزام فعلي من الحكومات والمنظمات والوكالات الدولية بإيصال فوائد التنمية المستدامة إلى الجميع. وإلى أن يحصل هذا، سيستمر صرف معظم المساعدات المناخية والبيئية على كتابة التقارير، التي لا تتحول في معظم الحالات إلى خطط تنفيذية. الجواب على معارضي تدابير حماية البيئة يكون في تحويل التقارير إلى خطط اقتصادية تخلق الوظائف لمجموعات كبيرة من الناس، بدلاً من أن يبقى الأمر محصوراً في تأمين الوظائف لمؤلفي التقارير وحدهم.

* الأمين العام للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) ورئيس تحرير مجلة «البيئة والتنمية»