د. ياسر عبد العزيز
TT

ما يُضخم وما يُهمش!

استمع إلى المقالة

حين نفتح شاشاتنا، ونتصفح عناوين الأخبار، نشعر أحياناً وكأننا في معرضٍ ضخمٍ تُعرض فيه بعض الأحداث بأضواء ساطعة، حتى تبدو أكبر مما هي عليه، بينما تسقط أخرى في الظل كما لو كانت غير موجودة.

هذا الاختلال في الاهتمام ليس صدفةً، بل نتيجة تحكم مُمنهج من قبل الفاعلين في المشهد الإعلامي العالمي في اختيار ما يُضخم وما يُهمش، سواء في الإعلام «التقليدي» أو في المنصات الرقمية التي يتصفحها الجميع. والنتيجة ليست مجرد تلاعب تقني بالأخبار، بل تشويه للحقيقة وتقويض لقدرة الجمهور على الفهم، خصوصاً عندما تتداخل اعتبارات سياسية أو اقتصادية مع ما يُعرض وما يُخفى.

من أحدث الأمثلة التي تجسد حقيقة الصراع على الوعي العالمي ما حدث مع تطبيق «تيك توك» في الولايات المتحدة، حيث أُبرمت في الأسبوع الماضي صفقة تاريخية نقلت السيطرة على عمليات التطبيق داخل السوق الأميركية إلى تحالف من المستثمرين الأميركيين.

لقد أتى هذا التحول الكبير بعد صراع قانوني وسياسي استمر لسنوات شهد مطالبات شبه مألوفة في واشنطن بحظر التطبيق بداعي المخاوف الأمنية. الصفقة الجديدة التي أسفرت عن إنشاء كيان مشترك تسيطر عليه شركات أميركية في المقام الأول، تنص على أن بيانات المستخدمين الأميركيين تُخزّن داخل السحابة الخاصة بإحدى هذه الشركات الأميركية، مع برنامج أمني صارم معتمد من طرف ثالث، وهو ما يعكس تغييراً جوهرياً في ملكية الخوارزميات وآلية التحكم بالمحتوى داخل الولايات المتحدة. هذه الخطوة لا تعني فقط حماية بيانات المستخدمين، بل تعني أيضاً أن من يسيطر على الخوارزميات يملك مفتاحاً لتوجيه الانتباه، وتحديد ما يظهر أمام عشرات الملايين يومياً، وهي سلطة إعلامية ومعرفية بحد ذاتها.

في صراع الأجندات هذا، لا تقتصر السيطرة على المحتوى الرقمي فحسب. فقد كشفت التغطية الإعلامية «التقليدية» للحرب الروسية - الأوكرانية عن نمط واضح من التضخيم، حيث صارت أخبار هذا الصراع تتصدر المنصات الغربية بمعدل غير مسبوق على حساب معاناة شعوب أخرى في مناطق مختلفة من العالم. وكأن هناك «ميزان اهتمام» غير مرئي يضع بعض الأحداث فوق سلّم الأولويات الإعلامية، ويعزل أخرى عند هامش الوعي العالمي. هذا التفاوت في التغطية لا يبدو مبنياً فقط على حجم الأحداث أو عدد الضحايا، بل على ما إذا كانت تلك الأحداث تلائم الأجندات السياسية أو مواقع النفوذ الاقتصادي لتلك الوسائل الإعلامية التي تتنافس على جذب الانتباه والإعلانات.

وكان اختبار جديد لحقيقة الانحياز الإعلامي في تغطية الصراعات قد شهده العالم خلال تغطية حرب غزة. فقد بدا الخطاب الإعلامي في كثير من الوسائل الغربية يميل إلى تبني سرديات رسمية للطرف الإسرائيلي بوضوح، مع تحفظ في استخدام لغة تعكس وزن الأحداث ومآسي المدنيين كما تقر بها تقارير حقوقية دولية. وفي الوقت نفسه، عمدت بعض المنصات إلى سياسات رقابية كان لها تأثير على وصول محتوى معين عن الصراع إلى الجمهور، ما أضاف طبقة جديدة من التحكم فيما يراه الناس وما لا يرونه. بهذا الشكل، تصبح المنصة الإخبارية «التقليدية»، والمنصة الرقمية، جزءاً من نظام يقوم بترتيب الأخبار وفق منطق قد يكون أقرب إلى مصالح القوى الكبرى من كونه خدمة للجمهور الباحث عن الحقيقة.

هنا يتداخل الإعلام مع السياسة، وتصبح عملية السرد غير محايدة، إذ إن اختيار من يُؤتى به ليروي خبراً معيناً أو من يُستبعد يمكن أن يُحدث فرقاً كبيراً في فهمنا لما يجري. في هذا السياق يتساءل المشاهد والمحلل: هل ما أراه يعكس الواقع حقاً؟ أم أنه اختيار ضمن شبكة من المصالح غير المعلنة؟ الحقيقة أن ترك الجمهور غير مدرك لهذه الديناميات يجعل الإعلام ساحةً لإعادة إنتاج الأوصاف المترتبة على السياسة والاقتصاد، لا ساحة لمعرفة الحقائق المتكاملة.

وكذلك، فإن منصات التكنولوجيا والشركات التي تسيطر على خوارزميات الترتيب والتوصية ينبغي أن تعلن عن منطق عملها، ولا تظل عملية توزيع المحتوى غامضة في طيات عامل تجاري أو سياسي غير معلن. فلا يمكن لأحد أن يدعي حياداً خوارزمياً وهو يتحكم فيما يصل إلى المستخدمين وأكثر ما يتفاعلون معه، ثم يقول إن ذلك ليس له تأثير على رؤيتهم للعالم.

إن هذا التمييز بين ما يُضخم وما يُهمش ليس مجرد لعبة تقنية أو خللاً إعلامياً، بل هو استراتيجية معرفية تؤثر في وعي المجتمع وقدرته على اتخاذ قرارات مدروسة. فإذا لم نتعلم كيف نرى خلف الستار، وكيف نقرأ ما وراء التغطية، فإننا سنظل أسرى لكل من يمتلك أدوات نشر الخبر وتحديد وزنه، ولن نصل إلى فهم متوازن لما يجري حولنا.