د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

«عاشت أوروبا»

استمع إلى المقالة

بهذه العبارة، اختتمت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين كلمتها في دافوس. عبارة بدت أقرب إلى إعلان موقف تاريخي منها إلى خاتمة بروتوكولية. لم تكن مجرد تحية سياسية، بل تلخيصاً لمزاج أوروبي جديد يتشكل في عالم مضطرب. ومن هذه الجملة تحديداً، يمكن فهم الروح الحقيقية لاجتماع دافوس هذا العام. روحٌ بدت في جوهرها نقيضاً مباشراً لعنوان دافوس «روح الحوار». وبدل أن يكون دافوس منصة للتقريب والتوافق، تحوّل المنتدى الاقتصادي العالمي في نسخته الأخيرة إلى مساحة للصراحة الحادة، بل أحياناً للمواجهة غير المباشرة. كان الحوار حاضراً في الشكل، لكن التناقض سيطر على المضمون. وهذا التناقض لم يكن خفياً، بل ظهر بوضوح منذ الجلسات الافتتاحية، في كلمات قادة اختاروا الصراحة بدلاً من المجاملة، وكشفوا حجم التباعد في الرؤى حول مستقبل النظام الدولي.

وتجسّد هذا التناقض في كلمتَي الرئيسين الأميركي والكندي؛ فقدّم دونالد ترمب في خطابه قراءة للعالم تقوم على منطق القوة والصفقات المباشرة. تحدث عن رغبته في «أوروبا قوية»، لكنه ربط ذلك بشروط تتعلق بالطاقة والتجارة والهجرة، في لهجة عكست رؤية أميركية ترى التحالفات بوصفها أدوات تفاوض لا ثوابت استراتيجية. وحتى تراجعه عن استخدام القوة في ملف غرينلاند، جاء محمّلاً بإيحاءات القوة الكامنة، لا بروح التطمين. كانت رسالة ترمب واضحة: العالم لم يعد يُدار بقواعد جماعية، بل بموازين ضغط متغيرة.

في المقابل، لم يكن خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أقل صراحة، لكنه انطلق من زاوية مختلفة تماماً؛ فأعلن كارني بوضوح أن النظام الدولي القديم انتهى، وأن الحنين إليه لن يعيده، ودعا «القوى المتوسطة» إلى التحرك الجماعي، وذكر كلمة سيذكرها العالم في هذا التحول هي: «إن لم تكن على الطاولة فأنت من قائمة الطعام». وبين خطاب ترمب القائم على القوة الأحادية، وخطاب كارني الداعي إلى تحالفات مرنة بين قوى متوسطة، ظهر التناقض الجوهري: الجميع يتحدث عن الحوار، لكن كل طرف يعرّفه وفق مصلحته الخاصة.

هنا، عادت كلمة رئيسة المفوضية الأوروبية كأحد أهم محاور دافوس؛ فقد انتقلت بالحديث من اللحظة الراهنة إلى التاريخ، مستحضرة «صدمة نيكسون» عام 1971، حين قررت الولايات المتحدة فك ارتباط الدولار بالذهب، منهية بذلك نظام «بريتون وودز». بالنسبة لأوروبا، لم تكن تلك الصدمة مجرد تحول نقدي، بل لحظة وعي قاسية كشفت مخاطر الاعتماد المفرط على نظام عالمي تقوده قوة واحدة. واليوم، بحسب وصفها، يعيش العالم صدمة من طبيعة مختلفة، لكنها تحمل الدرس ذاته: الاعتماد على النظام القديم لم يعد آمناً، والعودة إلى الماضي ليست خياراً.

انطلاقاً من هذا التشخيص، لم يكن خطابها دفاعاً عن أوروبا بقدر ما كان إعلاناً عن مشروع جديد، يمثل التوجه الأوروبي للمستقبل، وهي التي أدركت أن استمرارها على منوالها القديم سيرمي بها في ذيل الأمم المتقدمة. وأكدت أن التغيرات الجيوسياسية والاقتصادية الحالية ليست مؤقتة، بل دائمة، وأن أوروبا مطالبة بالتغيير الدائم معها. وهنا تحوّل الحديث من القلق إلى الفعل، ومن التحليل إلى الخطط؛ فقد عرضت المفوضية الأوروبية رؤية واضحة لبناء استقلال اقتصادي عبر التجارة لا الانعزال، وعبر تنويع الشراكات لا استبدال تبعية بأخرى.

في قلب هذه الرؤية جاءت الاتفاقيات التجارية؛ فأعلنت أوروبا عن اتفاقية التجارة الحرة مع دول ميركوسور في أميركا اللاتينية بعد أكثر من 25 عاماً من المفاوضات. اتفاقية تنشئ واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم؛ تضم 31 دولة، وأكثر من 700 مليون مستهلك، وتمثل نحو 20 في المائة من الناتج الإجمالي العالمي. لم يكن هذا الاتفاق مجرد إنجاز اقتصادي، بل رسالة سياسية في عالم يتجه نحو الحمائية الاقتصادية. لكن الذروة جاءت عند حديثها عما وصفته صراحةً بـ«أمّ الاتفاقيات»، وهي اتفاقية التجارة الحرة المرتقبة بين الاتحاد الأوروبي والهند. هذه الاتفاقية، بحسب وصفها، تفتح سوقاً يقترب عدد سكانها من مليارَي نسمة، وتمثل ما يقارب ربع الناتج الإجمالي العالمي، وتمنح أوروبا أفضلية استراتيجية في واحد من أسرع الاقتصادات نمواً في القرن الحالي. في عالم تتكاثر فيه الجدران التجارية، أرادت أوروبا بناء سوق مفتوحة جديدة، واسعة النطاق، ومتعددة الشركاء.«عاشت أوروبا»، عبارة قالتها صراحة رئيسة المفوضية الأوروبية، وقالها ضمناً معظم القادة في دافوس، كلٌّ حسب بلاده، في قمة عنوانها الحوار، ومضمونها المصالح الخاصة. قمة شهدت اعترافاً جماعياً بالخلاف، ومحاولة كل طرف توضيح موقعه في النظام الدولي الجديد، في إعلانات منفصلة ليس للحوار فيها مكان. والجديد أن دافوس هذا العام كان مرآة للعالم؛ فلا ادعاءات ولا مثاليات، بل صراحة صدامية تنبئ بشكل العالم الجديد.