بين الخمينيين والفاطميين

بين الخمينيين والفاطميين

الثلاثاء - 25 ذو الحجة 1442 هـ - 03 أغسطس 2021 مـ رقم العدد [15589]
حمد الماجد
عضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

من يتأمل النشاط الدعوي الدعائي والسياسي للخمينية في الدول العربية والإسلامية، منذ ثورتها في إيران عام 1979 وحتى يومنا هذا، وهو يجرف الأرض ليمهد للنفوذ الآيديولوجي والعسكري والسياسي الإيراني كما حصل في العراق وسوريا ولبنان واليمن، يقفز لذاكرته ما دونته كتب التأريخ عن الدعوة السرية للفاطميين قبل أن يسيطروا على دول أفريقيا العربية السنية.
كان الفاطميون، وهم فرقة تنتمي للإسماعيلية الباطنية، يعتمدون على التبشير الآيديولوجي قبل أن يغزوا المناطق العربية... فعلوا ذلك في أقاليم شمال أفريقيا وركزوا على الأعراق في المناطق النائية، يرسلون دعاة مدربين حذقين ويتجنبون المواجهة واستفزاز المجتمعات المستهدفة، مستغلين محبة الناس الفطرية لآل البيت، كما عمدوا إلى تأسيس المراكز العلمية كالأزهر، وتأهيل الدعاة للمذهب الإسماعيلي، وبطريقة هادئة، تم عزل المراجع العلمية والقضائية السنية وإحلال المراجع الإسماعيلية الفاطمية محلها، أشبه بطرق الاستعمار الحديث الذي يعتمد على الإرساليات التبشيرية كبلدوزر يجرف الطرق ويمهد السبل للاستعمار ولا يكشف هويته حتى يخدر مجتمعاتها بالمعونات المالية والتأهيلية والصحية والتعليمية، وهو ما فعلته الخمينية الآن في العراق وسوريا ولبنان واليمن حذو القذة بالقذة.
كان منظراً مزلزلاً والإيرانيون يملأون سوق الحميدية على بكرة أبيهم، يمارسون طقوسهم. وسوق الحميدية الدمشقي الشهير مجاور للمسجد الأموي، ولهذا دلالاته العميقة التي تثبت التغيير المذهبي والديموغرافي الممنهج الذي أحدثه التغلغل المذهبي والسياسي والعسكري للخمينية في كل من العراق وسوريا ولبنان، وليكتمل هلال الخمينية الذي دأبت على وصل حلقاته منذ أن وطأت قدما الخميني مطار طهران، عائداً من منفاه الباريسي، ومتوعداً بنشر آيديولوجيته الطائفية تحت اسم «تصدير الثورة»، وهو في الحقيقة تصدير للتشرذم والطائفية في العالم الإسلامي ممتطياً دبابة تارة، ومستغلاً بعثات إيران الثقافية والدبلوماسية تارة، ومنتهزاً شعار القدس وحكاية مقاومة الكيان الصهيوني تارة أخرى.
اللافت في عقد المقارنة بين أسلوب الدولة الفاطمية والدولة الخمينية في استخدام السنان والبنان في التوسع الجغرافي والسياسي والآيديولوجي، أن هناك تشابهاً حتى في الظروف السياسية التي استغلها الفاطميون والخمينيون، فالفاطميون استغلوا خور وضعف الدولة العباسية ونزاعاتها البينية، فتسللوا واحتلوا مناطق الشمال الأفريقي وتوجوه بإحكام السيطرة على مصر جوهرة المناطق العربية، والخمينيون كذلك فعلوا، فاستغلوا الخصومات والنزاعات بين عدد من الدول العربية، فتسللوا خلسة بتبشيرهم وآيديولوجيتهم في جل الدول العربية ولا يستثنون، ثم سربوا أسلحتهم وذخائرهم كي متى تحين الفرصة ينقضون على الدول التي احتلوها مثل اليمن والعراق، أو سيطروا عليها سياسياً وعسكرياً وجعلوا في الواجهة «قائمقام» محلياً صورياً، وقد عمد الفاطميون إلى عمل اختراقات وتحالفات في المناطق التي استهدفوها مستخدمين أسلوب العصا والجزرة، وكذلك فعل الخمينيون، حيث اخترقوا عدداً من الدول الإقليمية وبعض الفصائل الفلسطينية، ولا تزال أنياب الخمينيين الحادة المسمومة مغروسة في الجسد العربي، كما فعل الفاطميون على ذات الجسد قبل أكثر من عشرة قرون.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة