الأسوأ من الوباء... الوباء المزدوج!

الأسوأ من الوباء... الوباء المزدوج!

الأربعاء - 19 ذو الحجة 1442 هـ - 28 يوليو 2021 مـ رقم العدد [15583]

كنا نعتقد أن الإنفلونزا الموسمية ليست بالأمر المهم. لكن بعد فيروس كورونا، يعتبر هذا الاعتقاد سخيفاً.
من غير المحتمل ألا تحتل الإنفلونزا الشتوية القديمة والمملة مرتبة عالية ضمن قائمة الأشياء التي يجب أن نقلق بشأنها في عصر وباء (سارس - كوف - 2). ورغم ذلك، فلا بد أن نقلق بشأنه.
لقد اعتادت البشرية على موجات الإنفلونزا السنوية لدرجة أنها كانت المقارنة الأساسية عندما ظهر فيروس كورونا للمرة الأولى.. (وقلنا وقتها إنها ستكون مجرد موجة أخرى من الإنفلونزا)، وكان المغزى الضمني لذلك هو أن مستويات مرض الإنفلونزا والاستشفاء والموت مقبولة، بل وربما حتمية.
لقد كنت مخطئة تماماً في هذا الاعتقاد. ورغم أن المؤسسة التي أعمل بها توفر جرعات المصل السنوي ضد الإنفلونزا، فإنني لم أكلّف نفسي عناء الحصول عليه، لكن الوباء كشف عن ضعف مواقفنا وسياساتنا تجاه الإنفلونزا. لدينا الآن فرصة للقيام بالأمور بشكل مختلف. هذه ليست ذريعة لقرارات الإغلاق التي تقودها الإنفلونزا أو جنون الشك الوطني حول أي خلل، وإنما بوسعنا أن نبني دفاعات أفضل ضد الإنفلونزا بتكاليف ضئيلة نسبياً، مع الحفاظ على المزيد من الأرواح، وتأمين قدرات الرعاية الصحية.
من أحد الأسباب للالتزام بمزيد من الجدية بشأن الإنفلونزا هو تكلفتها الاقتصادية والإنسانية على السواء، فالتكاليف السنوية لعلاج الإنفلونزا (التي تتجاوز عادة 10 مليارات دولار) هي فعلاً كبيرة، حتى بالنظر فقط إلى نفقات المستشفيات بالنسبة إلى أولئك المتضررين بشدة.
تؤثر أوبئة الإنفلونزا على نصف الكرة الشمالي وفي أي بقعة من 5 إلى 15 في المائة من السكان سنوياً. وفي المتوسط، يصاب نحو 8 في المائة من سكان الولايات المتحدة بالإنفلونزا كل موسم. وبالنسبة للغالبية، فهي نوبات مرضية خفيفة، وإن كانت غير مريحة، ولكن بالنسبة إلى البعض، يمكن أن تكون مهلكة.
وتقدر المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض أن نحو 36 ألف شخص تقريباً يموتون من الإنفلونزا سنوياً خلال العقد الماضي، مع 61 ألف حالة وفاة في موسم الإنفلونزا لعامي 2017 و2018. وفي المملكة المتحدة، يبلغ المتوسط نحو 17 ألف حالة وفاة سنوياً. ومن الواضح أن فيروس كورونا يختلف من حيث الحجم، ولكن التكاليف التي يتحمّلها نظام الرعاية الصحية بسبب الإنفلونزا ليست هيّنة.
كبار السن هم الأكثر عرضة للإصابة بالإنفلونزا، ولكن تعاني منها أيضاً النساء الحوامل، والأطفال الصغار، وأولئك الذين يعانون من حالات طبية أخرى، مع ضعف الجهاز المناعي. وينتهي الأمر ببعض المصابين بالإنفلونزا الذين يتعافون منها إلى ظهور أعراض ما بعد الفيروس التي تستمر. لقد أظهر لنا فيروس كورونا مدى الضرر الذي يمكن أن تسببه تلك الأمراض.
ما الذي يحدث عندما تأتي الإنفلونزا في أعقاب فيروس كورونا؟ نحن لا نعرف حقاً، منذ الشتاء الماضي شهدنا موسماً معتدلاً للإنفلونزا بشكل لا يصدق، وغالباً بسبب الإجراءات الصارمة مثل الإغلاق، والتباعد الاجتماعي والكمامات. وكانت معدلات الإصابة بالإنفلونزا أقل بمقدار الثلثين عما كانت عليه خلال موسم 2011 – 2012، الذي سجل معدلات قياسية منخفضة.
لا يمكننا الاعتماد على تكرار ذلك، إذ إن انخفاض انتشار الإنفلونزا في العام الماضي يجعل من الصعب التنبؤ بأي سلالات لا بد من إدراجها في لقاح هذا الشتاء. قد نكون محظوظين مرة أخرى، أو قد تسوء الأمور، وقد يؤدي انخفاض مستويات المناعة الطبيعية، بعد بضعة مواسم منخفضة الإصابة بالإنفلونزا، إلى تيسير انتشار الأنواع الجديدة من المرض.
إن بريطانيا، بما تتمتع به من نظام الرعاية الصحية الوطني المنهك، وما تراكم لديها من العمليات الجراحية التي لم تجرَ وغيرها من الإجراءات، لا تستطيع أن تتحمل موسم الإنفلونزا السيئ. وتستغرق الاستشارات الخاصة بالأمراض الشبيهة بالإنفلونزا وقتاً طويلاً في الفحوصات الطبية، علاوة على قدرات استيعاب المستشفيات في السنة العادية. فمعدلات الإنفلونزا المرتفعة بالإضافة إلى فيروس كورونا سوف تكون إجهاداً كبيراً للغاية، ما يتطلب توفير موارد حكومية جديدة وكبيرة، ويترك الكثير من الناس من دون علاج.
ولكن ليست الأعباء الصحية المتراكمة فقط هي ما يجب أن يجعلنا نعيد التفكير في الإنفلونزا. والحقيقة هي أننا كنا راضين جداً عن الإنفلونزا لفترة طويلة جداً. وكان يمكن الوقاية من العديد من حالات الوفاة من خلال جرعات مصل الإنفلونزا، بالإضافة إلى التعديلات السلوكية التي اعتدنا عليها بسبب فيروس كورونا.
إن إجراءات التباعد الاجتماعي التي فُرضت أثناء الجائحة لم تحد من انتشار الإنفلونزا فحسب، بل تشير التقديرات أيضاً إلى أنها أدت إلى انخفاض «الفيروس التنفسي المخلوي البشري» بنسبة 20 في المائة في الولايات المتحدة، وهو ما يمثل 5 في المائة من الوفيات بين الأطفال دون سن الخامسة عالمياً. ولكن المشكلة الآن هي أن رفع القيود مؤخراً عن فيروس كورونا يتزامن مع ارتفاع حالات الإصابة بالفيروس التنفسي المخلوي البشري في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة.
أما في انجلترا فالمسنون والعاملون في مجال الرعاية الصحية وأطفال المدارس الابتدائية لديهم أعلى معدلات التطعيم، في حين أن الأطفال في مرحلة ما قبل المدرسة وكبار السن والأطفال دون سن 18 سنة لديهم تغطية بشكل أفضل في الولايات المتحدة.
إن ارتفاع مستويات التطعيم ضد الإنفلونزا من شأنه أن يغيّر قواعد اللعبة. ففي الشتاء الماضي، وصلت نسبة التطعيم ضد الإنفلونزا في بريطانيا إلى مستويات قياسية، حيث قامت إدارة الصحة الوطنية بتطعيم أكثر من 80 في المائة من أولئك الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً - بزيادة قدرها 10 في المائة على العام السابق وأسبق من هدف منظمة الصحة العالمية البالغ 75 في المائة للمرة الأولى.


- بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو