روبرت فورد
السفير الأميركي السابق لدى سوريا والجزائر والباحث في معهد الشرق الأوسط في واشنطن
TT

روسيا وتركيا والتصويت حول سوريا في نيويورك

يعتبر الخميس الموافق الـ8 من يوليو (تموز) يوماً محورياً في حياة ملايين المدنيين السوريين في شمال غربي البلاد. ومن المتوقع أن يصوت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على تمديد العملية الإنسانية للأمم المتحدة التي توصل المساعدات عبر الحدود التركية في إدلب عند باب الهوى إلى داخل محافظة إدلب. وبطبيعة الحال، يعتبر الصوت المحوري في هذا التصويت صوت روسيا. ويعد هذا مثالاً على مدى المهارة والضراوة التي يمكن أن تتسم بها الدبلوماسية الروسية. جدير بالذكر في هذا الصدد أن السفير الفرنسي في نيويورك ذكر مجلس الأمن منذ أسبوعين بأن 92% من المساعدات الإنسانية إلى سوريا تأتي من أميركا الشمالية وأوروبا واليابان، ومع ذلك تبقى روسيا صاحبة الصوت المحوري في حسم هذا الأمر.
ولا أدري إن كانت روسيا تنوي استخدام حق النقض (الفيتو) للمرة الـ17 لها بخصوص قرار يخص سوريا. الواضح أن ثمة هدفين استراتيجيين كبيرين لروسيا في خضم دراستها لكيفية التصويت بخصوص هذا القرار، في وقت لا يشغل المدنيون في إدلب أي حيز من اهتمامها. ويتمثل الاعتبار الأهم في هذا الشأن علاقتها مع تركيا.
يذكر أن وزير الخارجية الروسي لافروف في أعقاب اجتماع في أنطاليا الأسبوع الماضي مع نظيره التركي جاويش أوغلو، شدد على العلاقات الثنائية الطيبة بين الجانبين. وذكر لافروف مشروعات تجارية وأخرى بمجال الطاقة ومصالح روسية في القوقاز وليبيا، حيث تتمتع تركيا بنفوذ قوي. وبمقدور تركيا إعاقة الجهود الروسية للضغط على أوكرانيا. الأهم عن ذلك، تعمد موسكو إلى استغلال السخط التركي تجاه الأميركيين على امتداد العام الماضي من أجل إضعاف حلف شمال الأطلسي (ناتو).
في 4 يوليو (تموز)، أثنى المتحدث الرسمي للرئيس بوتين على العلاقات الروسية مع تركيا باعتبارها نموذجاً ينبغي الاقتداء به فيما يخص العلاقات الروسية مع الدول الأخرى الأعضاء في الحلف. ومن شأن إغلاق إنهاء عملية المساعدات التي تنفذها الأمم المتحدة عبر معبر باب الهوى إرضاء حكومة الأسد في دمشق، لكنها ستغضب تركيا بشدة.
جدير بالذكر في هذا الصدد، أن الرئيس إردوغان لمَّح بالفعل إلى رغبته في تحسين العلاقات مع واشنطن، والمؤكد أن بوتين لن يرغب من جانبه في تشجيع حدوث تقارب بين واشنطن وأنقرة.
أما الاعتبار الثاني الذي تركز عليه موسكو فيتمثل في تعاونها المستقبلي مع واشنطن بخصوص الملف السوري. من ناحيتهم، هدد الأميركيون بعدم التعاون بأي صورة من الصور بخصوص سوريا إذا ما أوقفت موسكو عملية معبر باب الهوى.
ومع ذلك، يبدو هذا تهديداً من موقف ضعف.
وتتمثل فكرة أخرى مطروحة داخل دوائر واشنطن في توفير إعفاءات أسرع من العقوبات للمساعدات الإنسانية والعمليات الإنسانية داخل المناطق الخاضعة للحكومة السورية وحلفائها. وفي بادرة في هذا الاتجاه، أعلنت واشنطن في 17 يونيو (حزيران) أنها ستوفر إعفاءات إضافية من العقوبات للمساعدات الطبية المرتبطة بجهود السيطرة على جائحة فيروس «كورونا» المستجد. (تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن خبراء أميركيين أقروا علانية أن العقوبات الأميركية تضر بالمدنيين السوريين).
من ناحيته، اعترف السفير الروسي في نيويورك بالبادرة المعلنة في 17 يونيو، لكنه نوه بأن الإعفاءات السابقة تاهت في غياهب البيروقراطية الثقيلة للحكومة الأميركية والمؤسسات المالية الأميركية.
علاوة على ذلك، شدد جوي هود، القائم بأعمال إدارة شؤون الشرق الأوسط بوزارة الخارجية في 28 يونيو على أن ما يعرف بـ«عقوبات قيصر» تحظى بدعم سياسي كبير داخل واشنطن وألمح إلى أنها لن تختفي.
بجانب ذلك، قال إن واشنطن ستمضي في معارضة تطبيع العلاقات بين سوريا وجامعة الدول العربية. وقال هود إن واشنطن ستضغط كذلك من أجل محاسبة النظام السوري عن جرائم الحرب التي اقترفها. وعليه، فإن الحوافز الأميركية لا تبدو جذابة من وجهة نظر موسكو. من جهته، أعلن السفير الروسي في نيويورك في 30 يونيو رفض بلاده الطلب الأميركي لإعادة فتح معبر اليعربية من العراق إلى داخل شمال شرق سوريا، حيث تحكم إدارة الحكم الذاتي التي تعتبر من شركاء الولايات المتحدة.
من وجهة نظر موسكو، لم يسبب هذا الرفض مشكلة كبيرة مع أنقرة، وبالتالي كان من السهل اتخاذ هذا القرار بالرفض. في المقابل، لم يغلق السفير الروسي، في 30 يونيو، الباب فيما يتعلق بمعبر باب الهوى.
والتساؤل الذي يطرح نفسه هنا: ما الثمن الذي تطلبه روسيا مقابل السماح باستمرار العمليات الإنسانية عبر باب الهوى؟ المؤكد أن جعل دمشق مسؤولة عن توزيع جميع المساعدات الإنسانية في سوريا يحمل أهمية رمزية كبيرة لموسكو، وسيمنح دمشق أداة مهمة في مواجهة ما تبقى من المعارضة السورية. وترغب موسكو في إغلاق معبر باب الهوى، لكن على خلاف الحال مع واشنطن، باستطاعة موسكو التحلي بالصبر. وربما تقبل موسكو بتمديد قصير الأجل للعملية الإنسانية عبر باب الهوى من جانب مجلس الأمن مقابل التزام أنقرة بإجبار المعارضة السورية، خاصة «هيئة تحرير الشام»، على السماح بقوافل المساعدات الإنسانية القادمة من دمشق بدخول المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة.
من جهتهما، قال السفير التركي لدى نيويورك ووزير الخارجية بلينكن إن حكومتيهما ترغبان في أن تبدأ مثل هذه القوافل القادمة من دمشق. وربما يقبل الروس في 8 يوليو بتمديد قصير الأجل للعملية الإنسانية عبر باب الهوى مقابل الالتزام باتخاذ خطوات ملموسة على صعيد السماح بقوافل مساعدات من دمشق إلى إدلب.
يذكر هنا أن التمديد قصير الأجل سيكون أفضل لموسكو لأنه سيكون باستطاعتها بعد ذلك التفاوض بخصوص تنازلات جديدة من جانب تركيا والغرب بعد فترة قصيرة.
وعندما تبدأ قوافل المساعدات القادمة من دمشق في دخول إدلب، ستصبح ذريعة الاستمرار في العمليات الإنسانية عبر باب الهوى أضعف. وعليه، تفوز موسكو بتنازلات صغيرة على المدى القصير، وفي الوقت ذاته تبني موقفاً يمكنها من اقتناص تنازلات أكبر بكثير عن الإمدادات الطبية، إذا ما رغبت تركيا والغرب في استمرار فتح معبر باب الهوى على المدى الأطول.