الخلفية التعليمية لجون الداعشي

الخلفية التعليمية لجون الداعشي

الخميس - 15 جمادى الأولى 1436 هـ - 05 مارس 2015 مـ رقم العدد [13246]

الأسبوع الماضي، تم كشف النقاب عن شخصية رجل أطلقت عليه وسائل الإعلام العالمية «جون الجهادي»، باعتباره محمد الموازي، كويتي مسلم وحاصل على المواطنة البريطانية من لندن. ولم يقتصر الأمر على ذلك، وإنما اتضح أن هذا الشخص الذي يعد من أبرز العناصر الغربية المنضمة لتنظيم «داعش» خريج جامعة ويستمنستر وحاصل على درجة علمية في علوم الحاسب الآلي.
وقد انتابت الصدمة الكثيرين حيال فكرة أن منفذ الإعدام داخل فيديوهات «داعش» شاب متعلم ينتمي للطبقة الوسطى التي تعيش في العاصمة البريطانية. بيد أنه في واقع الأمر، تعرضت المؤسسات الأكاديمية في بريطانيا على امتداد سنوات لاختراق من قبل عناصر متشددة وخطيرة. في الواقع، كنت أنا شخصيا أحدهم.
أما جامعة ويستمنستر تحديدا فتشتهر بكونها أرضا خصبة للنشاطات المتطرفة. وتخضع الجمعية الإسلامية داخل الجامعة بشدة لتأثير، وأحيانا سيطرة، جماعة «حزب التحرير» الإسلامية الراديكالية، وتوفر الجمعية بانتظام منصة أمام دعاة الكراهية.
وفي اليوم ذاته، الذي شهد كشف النقاب عن شخصية الموازي، كان من المقرر أن تستضيف الجامعة هيم الحداد لإلقاء محاضرة بها - وهو رجل متهم بنشر الكراهية. وتم إرجاء الحدث ليس من قبل الجامعة، وإنما من جانب الجمعية الإسلامية التي قررت ذلك فقط انطلاقًا من دواع أمنية.
ولا تزال مسألة «الاختراق» الإسلامي تمثل مشكلة داخل المدارس والجامعات البريطانية. منذ 20 عامًا، اضطلعت بدور كأحد عناصر الاختراق الإسلامي بالجامعة.
ولدت ونشأت في إسكس، على أطراف لندن، في أسرة باكستانية ميسورة الحال وعلى تعليم جيد. إلا أن دخولي مرحلة الشباب تزامن مع الإبادة الجماعية ضد مسلمي البوسنة على الجانب الآخر من أوروبا. ودفعتني هذه المأساة، بجانب العنف الذي عاينته على أيدي العنصريين البيض داخل الوطن، للانزواء بمنأى عن التيار الرئيسي داخل المجتمع.
واعتملت في ذهني تساؤلات كثيرة بخصوص الأحداث العالمية، وكانت بداخلي رغبة عارمة في الاعتناء بالآخرين، لكن افتقاري إلى النضج العاطفي جعلني عاجزًا عن التعامل بصورة مناسبة مع هذا الأمر، مما جعلني هدفا مثاليا للتجنيد الإسلامي. وفي خضم هذه المشاعر المعتملة بداخلي، ظهر من تولى تجنيدي، وكان هو نفسه خريج كلية الطب بإحدى جامعات لندن.
كان هذا الشخص عضوا في «حزب التحرير»، وهي جماعة إسلامية دولية ثورية تأسست عام 1953، وكانت أول حركة تروج لفكرة إحياء الخلافة. وعلى خلاف «القاعدة»، يدعو «حزب التحرير» لتنفيذ انقلابات عسكرية، وليس للإرهاب، بهدف الوصول للسلطة.
بوجه عام، يتمتع القائمون على عمليات التجنيد بقدرة كبيرة على استغلال الأحداث العالمية لطرح ما أطلق عليه «السرد الإسلامي» - بمعنى أن العالم يخوض حربًا ضد الإسلام، وبمقدور الخلافة فقط حماية المسلمين من الصليبيين. وبالفعل، أغرتني هذه الآيديولوجيا وانجذبت لهذه الثقافة الفرعية البديلة.
ببلوغي الـ16، كنت قد اعتنقت أفكار «حزب التحرير» بحماس. وطلبت مني الجماعة الالتحاق بـ«نيوهام كوليدج»، وهي مؤسسة للتعليم المستمر بشرق لندن تحظى بدعم من الدولة، وذلك بهدف تحقيق شهرة داخل حرم المؤسسة والسعي لاجتذاب طلاب آخرين للانضمام للجماعة. وبمجرد انتخابي رئيسًا لاتحاد الطلاب، عمدت إلى استغلال سذاجة القائمين على المؤسسة وسعيت نحو اجتذاب الأصوات وتعزيز سيطرتنا على المكان.
وأصبح المناخ السام الذي خلقته أنا وأنصاري داخل «نيوهام كوليدج» على درجة من الخطورة لدرجة أن الشخص الذي تطوع للعمل حارسا شخصيا لي أقدم عام 1995 على طعن طالب غير مسلم حتى الموت، صائحا «الله أكبر!» وبالفعل، أدين القاتل، سعيد نور، بتهمة القتل.
واتخذت المؤسسة، وعن حق، قرارا بطردي منها، لكن هذا لم ينه نشاطي هناك. وعملت في البداية في باكستان، ثم في مصر لتجنيد ضباط شباب من المؤسسة العسكرية لحساب الأجندة الثورية لـ«حزب التحرير». عام 2001، ألقى مسؤولو جهاز أمن الدولة في نظام الرئيس حسني مبارك القبض عليّ. وعلى مدار 4 سنوات داخل أحد سجون القاهرة، عكفت على مراجعة آيديولوجية الإسلام، وتخليت عنها نهاية الأمر.
وبمجرد إطلاق سراحي، تحولت للعمل بمجال حقوق الإنسان ومكافحة التطرف والذي لا أزال أعمل به حتى الآن.
من ناحية أخرى، فإن الجمعية الإسلامية في جامعة ويستمنستر، مثلما الحال مع جمعيات أخرى بجامعات بمختلف أرجاء بريطانيا، لا تزال مستهدفة من قبل راديكاليين يحاولون اختراقها. وبينما يتعين على هذه المؤسسات التعليمة حماية حرية التعبير، فإنه لزامًا عليها كذلك الحرص على عدم إطلاق يد المتحدثين في ترويجهم لرسالتهم المسمومة بين صفوف جماهير عرضة للتأثر بهم.
ويدعي أمثال هؤلاء المتحدثين بأنهم يدعون للإسلام، بينما يروجون في حقيقة الأمر لنمط يحمل صبغة سياسية قوية، وغالبًا عنيفة، من الإسلام. إن الأمر أسهل مما يظنه الكثيرون أن يسقط أشخاص أذكياء مثل الموازي في قبضة الرؤية العالمية قصيرة النظر التي يروج لها دعاة الكراهية.
في الشهر الماضي، أفاقت بريطانيا على صدمة لدى علمها بتسلل 3 فتيات مراهقات يدرسن في «بثنال غرين أكاديمي»، إلى خارج البلاد للانضمام لـ«داعش». وكانت الفتيات الثلاثة تبعًا لما أكده أقاربهن وزملاؤهن، من المتفوقات.
إن الرغبة في فرض أي دين على مجتمع ما تمثل في كنهها فكرة مقيتة، لكن الحال لا يبدو كذلك في أوساط الكثير من المسلمين البريطانيين. وعلى مدار عقود، سمحنا لآيديولوجيين إسلاميين بالعمل بحرية مطلقة داخل مجتمعاتنا لدرجة أصبحت معها توجهات الإسلام السياسي هي الوجه المألوف لنمط التعبير السياسي الذي ينتهجه الكثير من الشباب المسلم داخل بريطانيا وعبر أوروبا.
ورغم أن القفزة من كون المرء مراهقًا بريطانيًا عاديًا إلى عضو في «داعش» هائلة، فإنها في الحقيقة خطوة أصغر مما تبدو عليه بكثير بالنسبة لشخص نشأ في مناخ أصبح من المألوف فيه الحديث عن أحلام إحياء الخلافة وفرض صورة مشوهة من الإسلام.
وحتى نواجه هذا الخطاب الإسلامي بين أوساط العامة، سنبقى عاجزين عن وقف بلاء الراديكالية.
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة