هل كانت الحرب على العراق آخر الحروب الأميركية؟

هل كانت الحرب على العراق آخر الحروب الأميركية؟

الثلاثاء - 12 ذو القعدة 1442 هـ - 22 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15547]
داود الفرحان
كاتب عراقي

هل يستطيع أحد أن يجزم أن الولايات المتحدة ستشن حرباً على إيران إذا استمرت الميليشيات العراقية الموالية لها بقصف القواعد الأميركية في العراق؟ وهل يستطيع أيضاً أن يجزم أحد أن الولايات المتحدة لن تشن أي حرب ضد إيران، مكتفية ببيانات الإدانة والتحذير بعد الدرس الذي تعلمته من حربها غير المشروعة على العراق؟
تعتقد معظم أجهزة المخابرات في دول كوكب الأرض أن المخابرات المركزية الأميركية لا يأتيها الباطل من الأمام أو الخلف، وأن معلوماتها دقيقة موثوق بها لكثرة مكاتبها ومصادرها وعملائها، بالإضافة إلى خبراتها المتراكمة منذ تأسيسها بعد الحرب العالمية الثانية في عام 1947 على أيدي الرئيس الأميركي الأسبق دوايت آيزنهاور والرئيس الأميركي الأسبق أيضاً هاري ترومان وألين دالاس، ومقرها المركزي هو في ولاية فيرجينيا في الولايات المتحدة.
ويهمني من هؤلاء المؤسسين الثلاثة المدني الوحيد بينهم، ألين دالاس، الذي توفي في عام 1969 بعد أطول فترة قضاها مديراً للوكالة. هذا الرجل هو عراب ذلك الجهاز الذي يعد الأكثر كفاءة وتمرساً وحرفية وثراءً بين كل أجهزة المخابرات العالمية: السوفياتية (ثم الروسية) والصينية واليابانية والكورية الشمالية والبريطانية والفرنسية والألمانية (في زمن هتلر وبعده).
بعد سنوات من الحرب الأميركية لاحتلال العراق في عام 2003، قررت الولايات المتحدة أن تكون أكثر حذراً في شن أي هجوم استباقي جديد على أي دولة، بعد الفشل الاستخباري الأميركي الذريع في تلك الحرب.
لقد أوضح وزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس في عام 2009 أن العبر المستقاة من الأخطاء التي ارتُكبت بسبب المعلومات المضللة حول وجود أسلحة دمار شامل في العراق، وأمور أخرى، تدفع أي رئيس أميركي جديد لأن يكون شديد الحذر فيما يتعلق بإشعال مثل هذه الحرب اعتماداً على المعلومات المقدمة من المخابرات والاستخبارات.
وكانت المخابرات الأميركية قد زودت الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش (الابن) بمعلومات غير دقيقة تتعلق بوجود علاقات بين النظام العراقي السابق وتنظيم القاعدة، وكذلك امتلاك العراق أسلحة دمار شامل. وهذه المعلومات التي تأكد بعد خراب البصرة أنها كاذبة خاطئة استند إليها بوش في تبرير احتلاله العراق، وهي المعلومات التي قال وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولن باول إنه يشعر بالعار لأنه صدقها، ونقلها إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة.
وذكر غيتس أن أي رئيس مقبل سيطرح كثيراً من الأسئلة الصعبة قبل أن يوافق على شن حرب جديدة مماثلة للحرب على العراق. وقال إنه يعتقد أن الحواجز التي تحول دون شن هجوم مماثل أكثر بكثير اليوم مما كانت. وأضاف أن الحاجز الأول الواجب اجتيازه هو «هل سنتعرض لاعتداء هنا في داخل الولايات المتحدة؟»، في إشارة إلى ما قاله بوش ذات يوم عن أن النظام العراقي السابق يشكل خطراً على الولايات المتحدة. ولا ننسى طبعاً حكاية المدفع العراقي العملاق الذي زعموا أن بإمكانه إطلاق قذائفه من بغداد إلى واشنطن، وهم يعلمون أنه لو كان لدى العراق مثل هذا المدفع أو أي سلاح رادع لفكر الأميركيون مليون مرة قبل أن يطلقوا صاروخاً واحداً على العراق.
وأوضح مثال على ذلك الجعجعة الأميركية ضد إيران وكوريا الشمالية (ضلعي محور الشر)، بعد أن تم احتلال العراق (الضلع الثالث المزعوم في ذلك المحور الذي لا يوجد أي رابط بين أضلاعه)، لأنهم يعلمون أن طهران وبيونغ يانغ تملكان أسلحة رادعة تصل من إيران إلى إسرائيل، وأخرى تصل من كوريا الشمالية إلى أميركا.
والمهم في رفض الوزير لتلك المعلومات الكاذبة المستقاة مما يسمى المعارضة العراقية السابقة، وثبت فيما بعد أنها معارضة ملفقة، أن غيتس نفسه صار رئيساً للمخابرات الأميركية في مرحلة لاحقة لبدء الحرب على العراق.
وقال الوزير إن الإدارة الأميركية ارتكبت خطأ جسيماً بتوقعها أن مدة الحرب ستكون قصيرة، مؤكداً أن الجيش الأميركي تلقى دروساً قاسية من التجربة العراقية، في إشارة إلى المقاومة العراقية في بداية الاحتلال.
واستنتج الوزير الأميركي أن هناك سوء فهم واضحاً للتوقعات التي قالت إن الأمور لن تجري بالطريقة التي جرت بها لاحقاً في العراق، وإن الأميركيين لن يتورطوا في الحرب لفترة طويلة. وقال إن هذا الأمر هو أحد أكبر الأخطاء التي ارتكبت، وإن الأميركيين ببساطة لم يتوقعوا أن دخولهم إلى العراق سيؤدي إلى حرب معقدة.
وقد دفعت تلك الأخطاء ألين دالاس إلى تأليف كتاب بعنوان «حِرفة المخابرات»، ضمَّنه بعض المؤهلات التي يجب أن تتوفر في ضابط المخابرات الناجح، وأنا أوردها هنا ليس للترويج لها أو مدح ألين دالاس، وإنما لأنها عامة قد تصلح لأي جهاز مخابرات في العالم. وتشمل هذه المؤهلات أن يكون قادراً على أن يعمل مع الآخرين تحت ظروف شاقة، وأن يتعلم كيف يميز بين الحقيقة والخيال، وأن يكون لديه حب استطلاع، ويستطيع التفرقة بين ما هو ضروري وما هو غير ضروري. كذلك عليه أن يكون على قدر كبير من البراعة والتفنن والانتباه إلى التفاصيل، ويتعلم متى يلزم الصمت. ومن المميزات المطلوبة أن يكون قادراً على أن يُعبر عن الأفكار بوضوح واختصار وطريقة مشوقة، متفهماً لوجهات النظر وطرق التفكير الأخرى، وألا يغالي في طموحه أو قلقه، من حيث الجزاء الشخصي على شكل شهرة أو ثروة، فهذه لن يحصل عليها في عمل المخابرات.
لكن هذا لا يكفي، فعليه أن يبذل جهده في الحصول على المعرفة في مجالات الفنون والعلوم الاجتماعية، خاصة في علمي التاريخ والجغرافيا، وأن يكون على وعي سياسي، يجمع بين موهبتي الثقافة والإدراك، مرناً في التفكير، فإن ضيق الأفق لا يخلق من الشخص رجل مخابرات ناجحاً. ومن المميزات أن يكون قادراً على الموازنة بين الجرأة وإجراءات الأمن، وأن يكون مُلماً بلغة أجنبية، خاصة لغة المنطقة التي يعمل فيها، وعلى دراية بالعوامل السيكولوجية التي تحدد سلوك الإنسان بصفته فرداً في المجتمع، وأن تكون لديه حنكة الابتكار، ويمارس هوايات تساعده على قتل الملل الذي يعتريه نتيجة تعقيدات عمله وأسلوبه.
لكن المفارقة أن المعلومات التي قدمتها المخابرات الأميركية للبيت الأبيض ثبت أنها كاذبة ملفقة متناقضة، وليس لها أي دليل يثبت صحتها. بمعنى آخر، فإن «حِرفة المخابرات» لا تنطبق على المطبخ الذي أعد العدة لوليمة احتلال العراق وتدميره وتحويله إلى لقمة سائغة للنظام الإيراني الإرهابي.
والآن، هل احتاج الأميركيون إلى كل تلك السنوات ليكتشفوا أنهم كانوا على خطأ، وأنهم ارتكبوا جريمة كبرى بحق الشعب العراقي؟
كان الشعب العراقي القربان المظلوم الذي افتدى دولاً أخرى كانت واشنطن تسعى إلى احتلالها على طريقة الحرب العراقية. ولولا الخسائر الكبرى التي تكبدتها قوات الاحتلال في العراق، لكان بوش كرر عدوانه على أنظمة عربية وغير عربية.
إن تصريحات وزير الدفاع الأميركي الأسبق وثيقة دامغة يستطيع العراق بموجبها مخاطبة محكمة العدل الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب، وتعويض الشعب العراقي عن خسائره ومآسيه على أيدي أميركا وإيران والحكومات العميلة التي تعاقبت بعد 2003 على الحكم في بغداد. لكن هذا الأمل يحتاج إلى حكومة عراقية وطنية تحتمي بثقة شعبها، وليس بالقواعد الأجنبية والميليشيات الإيرانية. على الأقل، نقتدي في ذلك بناميبيا ورواندا، بعد أن اعترفت مؤخراً ألمانيا رسمياً بارتكابها جرائم إبادة جماعية في مستعمرتها الأفريقية السابقة ناميبيا قبل نحو مائة سنة، ووعدت بدعم ناميبيا، وتعويض أحفاد الضحايا بنحو مليار يورو مقابل عفو ناميبيا عن ألمانيا. وكذلك فعلت فرنسا حين اعترف إيمانويل ماكرون بقيام قواته بإبادة جماعية في رواندا عام 1994، حيث تم قتل 800 ألف من عرقية «التوتسي» على أيدي ميليشيات قبيلة «الهوتو». والمسألة لا تقتصر على ناميبيا ورواندا، فمعظم الدول العربية كانت ضحايا للاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والألماني والإسباني والعثماني. ولا ننسى طبعاً إسرائيل ومذابحها في فلسطين ولبنان وسوريا ومصر.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة