خالد البري
إعلامي وكاتب مصري. تخرج في كلية الطب بجامعة القاهرة، وعمل منتجاً إعلامياً ومراسلاً سياسياً وحربياً في «بي بي سي - عربي»، وغطى لحسابها «حرب تموز» في لبنان وإسرائيل، وعمل مديراً لمكتبها في العراق. وصلت روايته «رقصة شرقية» إلى القائمة النهائية لـ«بوكر العربية».
TT

تزاوج الكلمة والتسلط

استمع إلى المقالة

القبائل البدائية كانت تغنّي لأرواح قتلى أعدائها، تطلب منها المسامحة، وتذكرها بأنَّ ما جرى لم يكن أكثرَ من صراع على العشب والكلأ، على المأكل والمشرب. وبأنَّ المواقعَ كان ممكناً أن تتبدَّل، فيصير القاتلُ مقتولاً. اعتراف صريح بالواقع بلا بطولة ولا قداسة، يتحرك في وعي الإنسان بالطبيعة.

ثم اكتشف الإنسان الكلمة، وقدرتها الهائلة على تشكيل الوعي بالواقع، وعلى نقل الصراع من الأرض إلى السماء. وليس المقصود بالسماء هنا الدين، بل القيم المتسامية التي تقدم نفسها باعتبارها بلا غرض ذاتي، وبلا مصلحة مباشرة. عند هذه اللحظة، تزاوج حب السيطرة مع الكلمة زواجاً مثمراً. لم تعد الهيمنة فعلاً أرضياً عارياً، بل اكتست مشروعاً أخلاقياً، وروجت بكلمات تخفف مقاومة الآخرين، وتحول الجدل بعيداً عن جوهره.

فعلت الكلمة ما هو أخطر؛ جعلت النصّ الجيد مقدماً على ملاحظة الواقع، وجعلت الفكرة ملموسة للوعي أكثر من التجربة، وجعلت الصياغة أهم من الاختبار. صار النص مركز الفلك، وأي اختلاف مع هذا النص خطأ أخلاقياً. فإن أثبتت التجربة فشل النص، صارت هي المتهمة.

يبدو مما سبق أن الكلمة كانت الطرف الخدوم في زواجها مع التسلّط. الحقيقة لا. الكلمة استخدمت التسلط بقدر ما استخدمها، حيث صار القمع حتمياً لحشر التجربة في مقاس النص. لم يعد فعلاً شائناً، بل تقويم لانحراف الآخرين. إن لم يطابق الواقع الكلمة، فلا بد من إجباره على ذلك، بدلاً من مراجعتها ونقدها.

في العصر الحديث، كانت الاشتراكية المثال الأوضح على هذا المسار. روجتها الكلمة بوصفها وعداً بالمساواة والتوزيع العادل للثروة. غير أن هذا كان مجرد تبرير. أما جوهرها، فلم يتجاوز قط اعتقاد مجموعة معينة بأحقيتها من دون غيرها في التحكم.

والمفارقة أن هذه الأحقية اكتُسبت من الكلمة. في دائرة مفرغة يغذي أحدهما الآخر. نصوص في عقل شخص أو نخبة، أجادوا صياغتها، بحيث كانت أعلى قليلاً من الوعي الشائع، لكنَّها تظلُّ في متناول البصر إن نظر إلى أعلى. كثيراً ما نسمع دوائر الثقافة، لا سيما في اليسار، تتحدث عن «الكيتش»، الجمال السطحي الفارغ الذي لا يسمن ولا يغني، بينما مارسته سياسياً على نطاق مجتمعي واسع. في مواجهة الطبيعة والتجربة البشرية، التي استعصت دائماً على الإحاطة الكاملة، قدم النص، بهذا المعنى الكيتشي، مأمناً وهمياً من التعقيد، ووعداً زائفاً بالسيطرة.

لكن التجربة لا تعترف سوى بالواقع. وبمجرد أن اختُبِرت الشعارات عملياً، لم تتحقق العدالة ولا المساواة، بل انتهى الأمر كل مرة بانهيار اقتصادي، وبمجتمع شحيح الفرص، تستولي عليها دوائر النفوذ وتورثها لأبنائها. ورغم ذلك لم يعلنوا أبداً فشل المشروع. المشروع الحقيقي لم يفشل، لأنه لم يكن ما روَّجته الكلمة، بل إحكام هذه الفئة من المفتونين بمعارفهم النصوصية، المفخمين لقيمتها، سيطرتهم على السلطة. ولم يكونوا ليتخلوا عنها. البديل كلما فشلت تجربة كان العودة إلى ألاعيب الكلمة.

في الاقتصاد ينخفض شعار التأميم لاسترداد حق الدولة، ويرتفع شعار الخصخصة لزيادة موارد الدولة. ويدار الانفتاح الاقتصادي بالوعود. أما في الواقع، فيتحول إلى مسابقات تحدٍّ، لا يتجاوز عثراتِها سوى عدد ضئيل يمكن التحكم فيه. وحتى في الدول الرأسمالية، سيروّجون لإنفاق الدولة الخرافي على أنّه قاطرة النمو، ويستخدمونه لنهش الثروات من أطرافها بالضرائب والتضخُّم. والنتيجة جوهر الاشتراكية، سيطرة تمكِّن العقل النصوصي من فرض هندسته الاجتماعية.

في الدول غير الديمقراطية، سيفرضون المشروع الاجتماعي بوضوح فجّ: قمع مباشر، وتحكم كامل في المصائر، وعقاب على الأفكار السلمية. وفي الدول الديمقراطية، نسل آيديولوجي يتخلص من الشعارات التي فقدت جماهيريتها، ويطرح أفكار هندسة اجتماعية جديدة، يحميها بأدوات قمع أنعم: ثقافة الإلغاء، الصوابية السياسية، تقييد الأفكار، وخنق المسارات المهنية.

التعليم النظري مهم للمجتمعات، لكنَّه قد يتحوّل إلى لعنة عليها. ينتج عقليات نصوصية قد تختلف في توجهاتها الظاهرية من المادية إلى الدين السياسي، لكنَّها جميعاً تتلاقى في الجوهر، وترتاح إلى بعضها البعض. جميعهم إخوة، من مواليد تزاوج الكلمة والتسلط، ومهمتهم خنق التجربة الإنسانية.