د. عبد الله الردادي
يحمل الردادي شهادة الدكتوراه في الإدارة المالية من بريطانيا، كاتب أسبوعي في الصفحة الاقتصادية في صحيفة الشرق الأوسط منذ عام ٢٠١٧، عمل في القطاعين الحكومي والخاص، وحضر ضيفا في عدد من الندوات الثقافية والمقابلات التلفزيونية
TT

«أوفيد»... 50 عاماً في خدمة الشعوب

استمع إلى المقالة

أكمل «صندوق أوبك للتنمية الدولية (أوفيد)» عامه الـ50 الأسبوع الماضي؛ هذه المؤسسة الدولية التي انبثقت عن القمة الوزارية لـ«منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)» في مارس (آذار) عام 1975 بالجزائر، وتأسست رسمياً بعد ذلك في يناير (كانون الثاني) 1976؛ بهدف مبدئي هو معالجة موازين المدفوعات في الدول الفقيرة، لتتطور خلال 5 سنوات وتصبح مؤسسة تمويلية مستقلة عام 1980، مقرها مدينة فيينا النمساوية... فما صندوق «أوفيد»؟ وكيف تميز هذا «الصندوق» عن غيره؟

«أوفيد» صندوق تنموي دولي، أنشأته دول «أوبك» لتسهم في مساعدة الدول النامية، وهو منظمة مستقلة عن «أوبك» تماماً، وقد أسهمت فيه المملكة العربية السعودية بنحو 34 في المائة، وهو يمتلك أدوات كثيرة، مثل القروض الميسرة للقطاعين العام والخاص، وتمويل التجارة، والمنح، ويستهدف شعوب الدول النامية بشكل مباشر، ويتضح ذلك من ناحيتين: الأولى آلية تمويله المشروعات؛ فبعد إقرار المشروعات التنموية من «الصندوق»، تتعامل إدارة «الصندوق» مع المتعهدين المنفذين للمشروع بشكل مباشر، بالدفع لهم عن طريق الفواتير، وفي ذلك عبء إداري وإشرافي ضخم، ولكن هذا العبء يضمن تنفيذ المشروع لما أُقرّ له، بينما يمنح بعضُ الصناديق الأخرى المبالغَ مباشرةً للحكومات النامية دون أي إشراف على أرض الواقع بعد ذلك. الناحية الثانية هي القطاعات التي يمولها الصندوق، فهو يموّل مشروعات البنى التحتية للدول النامية؛ من مدارس وطرق ومستشفيات... وغيرها، ويموّل مشروعات الأمن الغذائي، وهو يخصص ما لا يقل عن 30 في المائة من برامجه لمشروعات «فقر الطاقة».

وموضوع «فقر الطاقة» تحديداً يحتاج إلى وقفة، فعندما أطلقت الأمم المتحدة «أهداف الألفية الثمانية» للتنمية، وضعت هدفَ القضاء على الفقر المدقع والجوع أولَ هذه الأهداف. والهدفُ كان واضحاً، وفق التعريف، وهو تخفيض نسبة الأشخاص الذين يعانون الجوع والفقر بمقدار النصف. وهو تعريف قاصر للفقر. وفي عام 2007 استضافت السعودية القمة الثالثة لدول «أوبك» في مدينة الرياض برئاسة الملك عبد الله بن عبد العزيز، رحمه الله، وقد ناقشت القمة 3 قضايا: الإمدادات، وحماية البيئة، والتنمية. وذكر البيان الختامي لأول مرة موضوع «فقر الطاقة»، وتولت منظمة «أوفيد» بعد ذلك بعام في نيجيريا تنظيم أول جلسة تناقش موضوع «فقر الطاقة»، ولم يكن لدى العالم حينها تعريف لـ«فقر الطاقة»، على الرغم من وجود نحو مليار نسمة حول العالم لا يستطيعون الحصول على الكهرباء، وأكثر من ضعف هذا الرقم لأناس ما زالوا يستخدمون الوسائل القديمة في الطبخ والتدفئة.

4 سنوات هي المدة بين «بيان الرياض» الذي وضع «فقر الطاقة» على الطاولة بوصفه من كبرى المشكلات التي يواجهها العالم، واعتراف الأمم المتحدة بوجود «فقر الطاقة»، حيث لم يذكر الأمين العام للأمم المتحدة حينها، بان كي مون، «فقر الطاقة» إلا عام 2011، ليضمّن بعد ذلك موضوع الطاقة بشكله الحالي في أهداف التنمية المستدامة، وهو الهدف الـ7، ويشمل معالجة «فقر الطاقة» وغيره من موضوعات الطاقة.

أما منظمة «أوفيد» فقد عملت على تمويل مشروعات «فقر الطاقة» قبل أن تقر بها الأمم المتحدة، وكانت تسميها حينها «الهدف التاسع المفقود»، وقد أسهمت المنظمة في حشد التأييد لهذا الهدف الذي لم يكن معروفاً حينها، ونافحت عن قضية معالجة «فقر الطاقة» في المحافل العالمية من خلال شراكاتها العميقة مع المؤسسات الدولية الأخرى. والمتصفح موقع «أوفيد» يقرأ كثيراً من القصص عن المشروعات التي لامست الشعوب وهمومهم ومشكلاتهم في ملف «فقر الطاقة»... وغيره.

وقد كتب عن ذلك الأستاذ سليمان الحربش في مقالات صحافية كثيرة عبر السنوات، وهو الذي قاد «أوفيد» لمدة 15 سنة منذ عام 2003، وهي سنوات حرجة شهدت الأزمةَ المالية، وتغييرَ أهداف الأمم المتحدة، وأوجَ استهداف الدول المصدرة للنفط من قِبل ناشطي المناخ... وغيرها من الأزمات العالمية، ومع ذلك، فقد نما برنامج إقراض «أوفيد» بين عامي 2004 و2016 من 1.2 إلى 2.6 مليار دولار، وقد سعى الحربش إلى وضع المنظمة على الخريطة التنموية والإعلامية، ونجح في ذلك بعد أن كانت المنظمة غير ذات صيت حتى على مستوى دول «أوبك».

لقد سعت «أوفيد» في أعوامها الـ50 إلى أن تحقق الرسالة النبيلة التي أُنشئت من أجلها، وهي خدمة شعوب الدول النامية، ورسالة السلام التي أرادتها عام 1975 الدولُ المصدرة للنفط. وقد جعلت «أوفيد» مشروعاتها متاحة في جميع دول العالم إلا الدول الممولة لـ«الصندوق»، وجعلت لـ«الصندوق» استقلالية عن منظمة «أوبك»، وعن تقلبات أسعار النفط، بل ووضعته تحت إشراف وزراء المالية لا وزراء النفط؛ ليحقق أهدافه بعيداً من تأثيرات أسواق النفط.

وأدعو القارئ إلى الاستزادة بقراءة كثير من القصص المؤثرة عن تلكم الشعوب التي استفادت من مشروعات تنموية إنسانية وقفت عليها «أوفيد»، كما أدعو وسائل الإعلام إلى النظر نحو هذه المنظمة وإعطائها حقها من الاحتفاء بعد 50 عاماً من العطاء.