الحكم زمن «تويتر» و«فيسبوك»

الحكم زمن «تويتر» و«فيسبوك»

الجمعة - 8 ذو القعدة 1442 هـ - 18 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15543]
د. آمال موسى
شاعرة وكاتبة وأستاذة علم الاجتماع في الجامعة التونسية

لا شك أنَّ هناك انتباهاً خاصاً من الباحثين بدراسة تأثيرات شبكات التواصل الاجتماعي على حياتنا وعلى العلاقات الاجتماعية. لكن مع ذلك، فإن المهيمن على الدراسات هو رصد اتجاهات مستعملي شبكات التواصل الاجتماعي. أي أن الباحث في موضوعات شبكات التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي يحاول معرفة الاتجاهات والعقليات والتغييرات القيمية من أجل فهم الظواهر والمتحول والمتغير في النظام الثقافي المحدد لأنماط التفكير والسلوك.
في مقابل ذلك، فإن شبكات التواصل الاجتماعي ذات أثر آخر عميق وقوي، يتمثل في زعزعة صلابة المؤسسات التي لطالما كانت هي التي تحكم المجتمع وتهيمن على الفرد. بل إن أقوى زلزال عرفته المؤسسات الاجتماعية كان مع ظهور تكنولوجيا الاتصال الحديثة، ومنها شبكات التواصل الاجتماعي التي تتمتع بتأثير كبير، فاق اليوم تأثير المؤسسات التقليدية، مثل الأسرة والمدرسة ومؤسسات الدولة... فنحن إذ نصف عالم «فيسبوك» و«تويتر» بالافتراضي، فإننا نقلل من خلال اللغة من أهميته التي باتت أكبر مما نسميه العالم الحقيقي.
نحن في لحظة ملتبسة جداً، هل فعلاً الافتراضي هو وهمي، وليس واقعاً؟ أليس الافتراضي هو التجلي غير المراقب للحقيقي منا وفينا؟ ومن يستطيع اليوم رسم الحدود بين العالمين الواقعي والافتراضي؟ وما أهمية رسم الحدود بين عالميين يمثلان معاً الحقيقة الاجتماعيّة؟
نطرح هذه الأسئلة فقط كي نبرز حجم الالتباس والحيرة، وضرورة الحفر بهدوء وببطء في إشكاليّات التواصل الاجتماعي، حيث التعقيد الذي يميز الظواهر الاجتماعية، علاوة على طابعها المركب، قد أضحيا مضاعفين مع ظهور ما يسمى شبكات التواصل الاجتماعي والعالم الافتراضي.
فالتحديث الذي طرأ على تقنيات التواصل الاجتماعي متمثلاً في تكنولوجيا الاتصال أظهر أنه الشق الأقوى والأسرع من عمليات التحديث السابقة. ويكفي للتدليل على قوة تكنولوجيا الاتصال الحديث الإشارة العابرة إلى أنها تكنولوجيا يُقبل عليها اليوم الجدّ والحفيد والعالم والأمي، وهي مفتوحة للجميع، ولا أهمية بالغة للمتغيرات الاجتماعية من ناحية استعمال شبكات التواصل الاجتماعي. وإذا ما وضعنا في البال أن الغرض من دراسة الظاهر باعتماد المتغيرات لتحديد الفوارق التي تنتجها (نقصد متغيرات الجنس والمستوى التعليمي والطبقي والسن...).
في ظل الزلزال الذي أحدثته تكنولوجيا الاتصال، فإن حالة السكون النسبي التي كانت قبل ظهور شبكات التواصل الاجتماعي قد تقلصت إلى حد كبير. كل شيء بلغته تداعيات هذه الشبكات، سواء مؤسسة الزواج أو المدرسة أو العلاقات بين الأجيال وعلاقة المعلم بالتلميذ. وبشكل أكثر دقة، يمكن القول إن أشكال السلطة داخل المجتمع تقوّضت.
فالحكم في زمن شبكات التواصل الاجتماعي أصبح شبه مستحيل. ولنأخذ السياسة مثالاً؛ هل يستطيع السياسي اليوم أن يمارس السلطة كما كان يمارسها قبل ظهور تكنولوجيا الاتصال الحديثة؟
حديثنا في هذه النقطة يتجاوز طريقة ممارسة السلطة في بلد ديمقراطي أو ديكتاتوري. فتكنولوجيا الاتصال الحديثة حوّلت الديمقراطية إلى زمن، أكثر منه طريقة اقتراع انتخابي ونظاماً لحكم الشعب. يمكن القول هنا إن تكنولوجيا الاتصال الحديثة هي اليوم خيّر داعم للديمقراطيات، بما فيها العريقة، حيث إن السياسي في بلد عريق الديمقراطية أو هو حديث الديمقراطية يعاني نفس القلق والخوف، والاثنان معرضان للهتك والسخرية والتشهير.
لم يعد السياسي في ظل وجود تكنولوجيا الاتصال الحديثة يحكم بنفس القبضة. العلاقة بين الحاكم والمحكوم لم تتحول فقط من عمودية إلى أفقية، بل إنّها تحولت عمودية لصالح المحكوم، أي أن الشعب بات يقيم علاقة عمودية مع السياسي الحاكم. إنه انقلاب العلاقة ذاتها.
لقد أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي اليوم من أقوى تقنيات ممارسة الشعوب للرقابة على السياسيين. فالجميع تحت المجهر. وفي مجهر شبكات التواصل الاجتماعي كل أفعال السياسيين غير المقبولة هي كبيرة بالضرورة. لذلك، فلا أحد من السياسيين ينجو من الضغط النفسي لشبكات التواصل الاجتماعي. ونلاحظ أن الجزء الأكبر من عملية المراقبة التي تمارسها شعوب شبكات التواصل الاجتماعي، إنّما ينصب على السياسيين. وكأن في تغير الأدوار وانقلابها ما يشبه التعويض التاريخي للشعوب.
المشكل أن السياسي القادر على الإفلات من ضغط شبكات التواصل والاجتماعي وأنيابها الحادة هو من لا تشوب سلوكه أي شائبة أو تهمة. أي أن المطلوب ممارسة السياسة بطهورية عالية جداً. ونفترض أن هذه التغييرات ستقلص كثيراً من حبّ السلطة والحلم بالحقيبة الوزاريّة وبلوغ سدة الحكم، لأن الفاتورة المنتظرة، قلة قادرة على تحملها.
وبالنسبة إلى الفضاء العربي الإسلامي، فإن السلطة تغيّرت في الواقع، ولكن ظلت هي ذاتها في مستوى التمثلات والمخيال، وهو ما جعل السياسي في مجتمعاتنا يعرف تشظياً وانفصاماً عميقاً بين ما كان كائناً وما هو كائن اليوم.
أزالت تكنولوجيا الاتصال الحديثة ما علق بمفهوم الحكم والسلطة من انحرافات، تراكمت حتى أصبحت من بنية السلطة نفسها، ولا غرابة في أن وسائل تكنولوجيا الاتصال الحديثة بدأت تجرف فعل السياسة نحو المفاهيم الأصلية التي ابتدعتها الثقافات المختلفة، ومنها ما قدمته الحضارة العربية الإسلامية من معانٍ وشروط تتصل بالحكم الرشيد والحكم التكليف.
لم نذكر عمداً أثر تكنولوجيا الاتصال على حدوث فضائح، مثل «ووتر غيت» وغيرها، لأن مقالنا يركز على شبكات التواصل الاجتماعي كأحد أبرز مظاهر تكنولوجيا الاتصال الحديثة، حيث إن هذه الشبكات جعلت الفضائح حدثاً متواتراً مألوفاً بعد أن كان نادراً.
دعوة للتفكير في ضغط شبكات التواصل الاجتماعي، وقوة تأثيرها التي تسير نحو ما يضمن شيئاً فشيئاً أخلقة الحقل السياسي وطهوريته.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة