خريطة طريق الـ«لالا لاند»

خريطة طريق الـ«لالا لاند»

الخميس - 1 ذو القعدة 1442 هـ - 10 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15535]

أنا على يقين أن عدداً كبيراً ممن يقرأون هذا المقال اليوم لم يطلعوا على خريطة طريق الوكالة الدولية للطاقة (IEA) حول إيصال انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون عالمياً إلى الصفر بحلول عام 2050.
ولماذا أنا على هذا اليقين؟ لأن أغلبنا في هذا الجزء من العالم لا يهمنا كثيراً قضايا البيئة والتغير المناخي ولا تشكل جزءاً من غالبية الخطط السياسية للدول الأخذة في النمو، ولا مخططات غالبية الرؤساء في حملاتهم الانتخابية والتي تركز على خلق الوظائف وزيادة الدخل الوطني وحل مشكلات المواطنين اليومية من القضاء على الفساد والفقر والأمراض. وللقلة الذين يهتمون بقضايا البيئة، فإننا لسنا متأكدين من صحة كل ما تقوله وكالة عرفت تاريخياً بعدائها للمنتجين في منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك).
ورغم أن خريطة الطريق هذه نشرت الشهر الماضي، فإنها لم تكتسب زخماً إلا عندما وصفها وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، بأنها الجزء الثاني لفيلم هوليوود الشهير «لا لا لاند»، في إشارة منه إلى عدم واقعية السيناريوهات التي وضعت على أساسها هذه الخريطة.
بالنسبة للمواطنين في الغرب والاقتصادات الأكثر تطوراً، فإن ما قاله وزير الطاقة السعودي يعتبر أمراً خطيراً؛ إذ إن كل ما يتعلق بالتغير المناخي ومستقبل الكوكب يعتبر أمراً مقدساً لا يجب المساس به أو مناقضته أو تحليله وتفنيده. أما بالنسبة لمواطن أحد دول «أوبك» مثلي أنا، فإن ما قاله الوزير معقول ومنطقي وعقلاني. إذن، أين هي الفجوة في التلقي بين المواطنين، وهل التوجه لعالم أنظف وأكثر اخضراراً شر مطلق لنا في الاقتصادات الناشئة والآخذة في النمو؟
الفجوة في التلقي أساسها الفرق في التفكير، فنحن لا نعيش في عالم تحكمه المثاليات، بل تحكمه الواقعية. هناك العديد من المثاليات السياسية في الغرب والتي لا يوجد لها حلول واقعية؛ لأن الحلول خارج سيطرة هذه الدول؛ مما يجعلها تلقي باللوم على «الآخر» أو تتخذ قرارات غير واقعية دون حساب تأثيرها على «الآخر». هذا لا يعني أننا لا نؤمن بقضايا التغير المناخي في هذا الجزء من العالم، بل بالعكس هناك تغيير كبير في الفكر السياسي وهو ما جعل السعودية تتبنى وتطلق مبادرة الشرق الأوسط الأخضر وتناقشها على مستوى رؤساء دول المنطقة. لكن على الغرب أن يعي أن هناك قضايا كثيرة مهمة لنا عليهم مساعدتنا على حلها وأبرزها تكلفة التحول الطاقوي في دولنا، بدلاً من فرض حلول غربية غير واقعية.
إذا ما أردنا أن نصل إلى اقتصادات بلا كربون في 2050، فهناك فاتورة كبيرة جداً، تتطلب مضاعفة الاستثمارات في الطاقة البديلة في الاقتصادات الناشئة والأخذة في النمو بنحو سبعة أضعاف بحلول 2030 أو ما يعادل تريليون دولار، ارتفاعاً من 150 مليار دولار، بناءً على أرقام وكالة الطاقة الدولية. في الوقت ذاته يريد العالم الغربي من هذه الدول أن تخسر مئات المليارات سنوياً من دخلها وإيراداتها خلال نفس الفترة! وهذا تناقض غير واقعي، إلا إذا قدم الغرب قيمة هذه الاستثمارات للعالم الذي أنتمي له.
تناقض آخر غير واقعي أسمعه دائماً في المطالبة والضغط على المصارف العالمية لعدم تقديم قروض للمشاريع الهيدروكربونية، رغم أن أمن الطاقة في العالم يتطلب استمرار ضخ ملايين البراميل من النفط يومياً، وإلا ستصل أسعاره إلى مستويات لا يتحملها المواطن الغربي.
ونحن نرى اليوم أن أسعار النفط في مستوى 70 دولاراً، وهناك توقعات كثيرة بأن يصل إلى 100 دولار في العام المقبل، وهذا ما جعل الكثير من المضاربين يشترون الأسبوع الماضي 60 ألف عقد تعرف باسم «الخيارات» تغطي 60 مليون برميل، على أساس وصول سعرها إلى 100 خلال عام. إن هذه الارتفاعات المؤقتة مثال بسيط على أن المعروض العالمي لا يتماشى مع الطلب، ولا أعلم كيف لنا أن نعتمد على الطاقة المتجددة لمواكبة زيادة سكان الأرض 1.7 مليار نسمة في العشرين سنة المقبلة، من دون الحصول على الطاقة من كل الموارد الممكنة. ولا أعلم كيف سنوفر طاقة تكفي للتحولات التقنية التي تزداد كل يوم، فهناك تقنية واحدة مثل الـ«بلوكتشاين» لإصدار عملات مشفرة مثل «بتكوين» تستهلك طاقة تعادل ما تحتاج إليه دولة كاملة مثل الإمارات العربية المتحدة أو الأرجنتين. وإذا ما أضفنا السيارات الكهربائية وغيرها، فإننا نتحدث عن طاقة كبيرة لا يمكن توفيرها من مصادر متجددة في عقد من الزمن.
مجدداً، أنا شخصياً مؤمن بأن المستقبل في 2050 لن يكون للنفط والغاز، بل للطاقة المتجددة وللهيدروجين، لكن اقتصاديات صناعة الهيدروجين ليست قوية اليوم. وأرى أن الحلول الواقعية مثل مبادرة الشرق الأوسط، والتي تهدف لزراعة مليارات الأشجار لتحسين المناخ وحجز واحتباس الكربون، إضافة إلى استثمارات السعودية في الهيدروجين الأخضر والأزرق، والاقتصاد الدائري للكربون، وتوسعة إنتاج الطاقة المتجددة، والمشاريع المستدامة الكبرى مثل مشروع نيوم ومشروع البحر الأحمر، خريطة طريق واقعية؛ رغم أنها مكلفة.
المشكلة ما زالت متعلقة بالدول الأخرى التي لم تبدأ التحول الطاقوي مثلما فعلت السعودية، وهذه الدول عليها مواجهة ضغوط حكومة أميركية جديدة لديها سياسة لمواجهة التغير المناخي بمستهدفات عالية جداً، يهمها الحصول على أصوات الناخبين ودعمهم. هذه الضغوط انتقلت للشركات النفطية الدولية على المستوى التشريعي والقانوني والمالي، وقام مجموعة من المستثمرين بتغييرات استراتيجية الشهر الماضي في مجالس إدارة أكبر ثلاث شركات نفط مدرجة في أسواق الأسهم العالمية (إكسون وشل وشيفرون). وبذلك أصبح القطاع المصرفي الأخلاقي هو الذي يقود التحولات الطاقوية حالياً، ليكمل عمل الحكومات الغربية، وهذا أمر خطير لأن المستثمرين الأخلاقيين منفصلون عن الواقع في العالم غير الغربي، ولا يدرك هؤلاء أثر ما يفعلونه على المستوى العام.
إن وصف خريطة طريق الوكالة بأنها غير واقعية، أمر واقعي، ولكن ما يجب علينا إدراكه هو أن الاتجاه السياسي الغربي العام يتجه نحو التخلي عن النفط والغاز بأسرع وقت لكي يلتزم العالم جميعا باتفاقية باريس للتغير المناخي ونحافظ على زيادة حرارة كوكب الأرض عند مستوى 1.5 درجة مئوية، دون حساب العواقب طويلة الأجل. ولهذا؛ فإن أفضل حل في نظري، هو تمكين ودعم الأجيال القادمة معرفياً ومالياً لإيجاد حلول في المستقبل؛ لأننا لا نستطيع أن نحل مشكلة العالم في 2050 بفكر اليوم ومعطياته الفنية والسياسية والاقتصادية، فالتحول الاقتصادي والطاقوي ليس محطة أو مستهدفات واضحة، بل عملية تبدأ اليوم وتتطور مستهدفاتها مع تقدم الوقت والمعرفة وفكر الإنسان.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو