«الثمن» الذي تريده «حماس» من حرب غزة

«الثمن» الذي تريده «حماس» من حرب غزة

الجمعة - 24 شوال 1442 هـ - 04 يونيو 2021 مـ رقم العدد [15529]
الياس حرفوش
كاتب و صحافي لبناني

تتصرف حركة «حماس» بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة على أنها الفريق «المنتصر»، وبالتالي يحق لها أن تستثمر هذا «الانتصار». ولا تتصرف «حماس» على أساس أنه «انتصار» على إسرائيل وحدها، بل تشير تصريحات قادتها إلى أنها تراه انتصاراً أيضاً على قيادة السلطة الفلسطينية، وعلى النهج الذي تتبعه «فتح» في علاقتها بإسرائيل، كأن هذه العلاقة، التي أرست قواعدها اتفاقات أوسلو، هي المسؤولة عن الاعتداءات الإسرائيلية على أهالي القدس وعلى المسجد الأقصى، وعن الدمار الذي ألحقته المقاتلات الإسرائيلية بقطاع غزة.
وبصرف النظر عن الطريقة التي تفسر بها «حماس» هذا «الانتصار»، رغم الخسائر البشرية والمادية التي أصابت أهل القطاع وأطفاله ومؤسساته وبنيته التحتية، فإن استثمارها لا يتوقف عند ما تعدها هزيمة لإسرائيل، بل يبلغ موقفاً أكثر حدة من المشروع السياسي للقيادة الفلسطينية ومن اتفاق أوسلو وما نتج عنه من إتاحة فرصة العودة إلى الأرض الفلسطينية، ووضع قدم عليها، مهما كانت مساحة الأرض صغيرة، كما كان يقول «أبو عمار»، وفرض القيادة الفلسطينية سيادتها، المحدودة بالتأكيد، والمعرّضة لتهديدات الاستيطان الإسرائيلي كل يوم. لكنّ العَلَم الفلسطيني يرتفع فوق المؤسسات الفلسطينية في المناطق التي تسيطر عليها. ومقر القيادة في رام الله مركز دائم للقاءات مع قادة من مختلف أنحاء العالم. ومع أن هذه الخطوات رمزية من دون شك، لكنها بالغة الدلالة، ومن الضروري مقارنتها بما كانت عليه أحوال الفلسطينيين قبل عام 1993 موزعين في الشتات، وعنوان قيادتهم يتنقل بين بيروت وتونس وعمان ودمشق، وتخضع بالتالي لأهواء العواصم ومصالحها في أي مكان تحل فيه. كما لا بد من مقارنتها بما يمكن أن تصير إليه أحوال الفلسطينيين إذا تخلوا عن المظلة الدولية التي توفرها الاتفاقات.
توحي خطب قيادة «حماس» وتصرفها اليوم وكأن ما بعد حرب غزة لن يكون كما قبلها بالنسبة إلى موقفها من المشروع السياسي للقيادة الفلسطينية. وتوحي أيضاً بأن نتائج حرب غزة يجب أن تنعكس من خلال واقع جديد على الساحة الفلسطينية، بحيث تكون لـ«حماس» اليد الطولى في القرار السياسي. ومن الصعب أن يُفهم غير ذلك من الخطاب الذي أطلقه رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية بعد حرب غزة، ورأى فيه أن هناك ميزاناً جديداً للقوى في المنطقة تجب مراعاته، وأن على السلطة الفلسطينية أن تنسحب من اتفاق أوسلو وأن تسحب اعترافها بإسرائيل وتوقف تعاونها الأمني معها. بل ذهب هنية إلى أكثر من ذلك بإيحائه بأن «حماس» هي الأحرص على وضع مدينة القدس وعلى الدفاع عنها، في اتهام مضمر بشأن تقصير قيادة السلطة في هذا المجال.
يأتي كل هذا فيما تعلن «حماس» استعدادها لبدء مفاوضات في القاهرة مع قيادة حركة «فتح» بهدف توحيد المنظمات الفلسطينية، وقيام قيادة موحدة للسلطة، وإعادة هيكلة منظمة التحرير، كما تقترح القيادة المصرية، بالتوازي مع الخطط التي يتم التحضير لها لإعادة إعمار غزة بتمويل خارجي. وهو ما يطرح أسئلة كثيرة حول جدية «حماس» حيال مشروع التوحيد هذا، إذا كان سينطلق من رؤى مختلفة إلى حد التناقض حول العملية السياسية وطبيعة العلاقة مع إسرائيل، ومع القوى الغربية الراعية للاتفاقات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.
ومن الصعب فهم هذا التناقض أو تفسيره سوى أنه في إطار النزاع على السلطة وعلى القرار بين «فتح» و«حماس»، خصوصاً أن الأخيرة سبق أن وافقت منذ عام 2007 على القبول بقيام دولة فلسطينية ضمن حدود عام 1967، وعلى أن تكون القدس الشرقية عاصمة لهذه الدولة، ما يعني ضمناً قبول «حماس» بقيام إسرائيل إلى جانب الدولة الفلسطينية، وهو ما أكده تصريح لخالد مشعل في عام 2007 قال فيه: «أنا كفلسطيني اليوم أتحدث عن مطلب فلسطيني عربي بأن تكون عندي دولة على حدود 67، صحيح أن النتيجة بالأمر الواقع تعني أن هناك كياناً أو دولة اسمها إسرائيل على بقية الأراضي الفلسطينية لكن هذا أمر واقع».
بماذا يختلف موقف «حماس» إذن عن موقف السلطة الفلسطينية من تسوية النزاع على أساس حل الدولتين؟ وما مبررات الخلاف داخل التنظيمات الفلسطينية، ما دامت أسس المطالب وحدود ما يمكن قبوله في أي تسوية للصراع واضحة، فضلاً على أنها مطالب تتفق مع المبادرة العربية للسلام التي أقرّتها قمة بيروت سنة 2002؟
من الطبيعي أن يتفهم المرء خيبة أمل قادة «حماس» من دعم معظم الدول الغربية لما تعده «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، أو في أحسن الأحوال سكوت دول أخرى حيال الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، وحرمانهم من الحقوق التي يفرضها القانون الدولي على دولة الاحتلال، لكن الحل في وجه السكوت الدولي عن جرائم إسرائيل أو الدعم الدولي لها يجب أن يكون بتوحيد القوى الفلسطينية لا بشرذمتها، وبالإفادة من أي فرصة تتوفر لفرض الحق الفلسطيني على العالم، سواء عبر توفير الدعم للمؤسسات الفلسطينية التي باتت معترفاً بها من معظم الدول، أو بدعم الاتفاقات التي تمكّن الفلسطينيون من انتزاعها عبر نضالهم الطويل، والتي تمثل انتصارات لا تقل أهمية عن الانتصارات العسكرية التي تدافع عنها «حماس»، بل هي، هذه الاتفاقات، الورقة القوية في يد الفلسطينيين في وجه الاعتداءات الإسرائيلية.
لقد أثبتت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة مدى التعاطف الدولي مع الحق الفلسطيني. ومن المهم أن يكون استثمار نتائج تلك الحرب من خلال توسيع شبكة هذه العلاقات الدولية، التي تسبب ضرراً وقلقاً لمشروع المتطرفين الإسرائيليين، أكثر مما تسببه الصواريخ، التي تبقى محدودة التأثير والفاعلية، في ظل التفاوت العسكري الكبير في ميزان القوى بين الجانبين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

فيديو