مشاري الذايدي
صحافي وكاتب سعودي. عمل في عدة صحف ومجلات سعودية. اشتغل في جريدة المدينة السعودية في عدة أقسام حتى صار عضو هيئة التطوير فيها. ثم انتقل لـ«الشرق الأوسط» من 2003، وتدرَّج بعدة مواقع منها: المشرف على قسم الرأي حتى صار كبير المحررين في السعودية والخليج، وكاتباً منتظماً بها. اختير ضمن أعضاء الحوار الوطني السعودي في مكة المكرمة. وشارك بأوراق عمل في العديد من الندوات العربية. أعدَّ وقدَّم برنامجي «مرايا» وبرنامج «الندوة» في شبكة قنوات «العربية».
TT

ترمب يحرك ذاكرة أوروبا الجريحة

استمع إلى المقالة

يبدو أن لدى الرئيس الأميركي ما «يلعب» به في خصوص توجيه القرار الأوروبي نحو الوجهة التي يريد، من خلال استغلال التناقضات الأوروبية الداخلية العميقة الجذور، خاصة بين محركي الآلة الأوروبية الكبار، فرنسا وألمانيا.

ثمة تباينات إن لم نقل تناقضات بين برلين وباريس، أو بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بخصوص مسائل أبرزها التعامل مع حرب أوكرانيا، ومن هو صاحب الكلمة الأوروبية العليا فيها، وملف آخر لا يقل وجودية وهو العلاقة مع ترمب وأميركا حالياً.

فرنسا ماكرون تريد موقفاً أكثر صرامة واستقلالية تجاه واشنطن ترمب، وهو موقف فرنسي تقليدي منذ عقود، وألمانيا أكثر مرونة وليونة مع أميركا، تجلَّى ذلك في ملفات اقتصادية وسياسية. لا ننسى أن تاريخ العداء والثقة بين البلدين تاريخ ملتهب وإشكالي وفي عمق الذاكرة الأوروبية البعيدة الغور.

دعنا في الأزمنة القريبة مثل صورة جيوش نابليون وهي تغزو ألمانيا، وصورة هتلر والنازيين تحت برج إيفل.

هناك حساسية عالية بين البلدين، تاريخ العداء الفرنسي الألماني منذ القرن 16 ارتكز على التنافس على الهيمنة القارية، والنزاعات الحدودية (خاصة الألزاس واللورين)، وبلغ ذروته في الحرب الفرنسية البروسية (1870-1871)، والحربين العالميتين الأولى والثانية، قبل أن يتحول إلى شراكة وثيقة بعد عام 1945.

لكن الآن هناك جمر مندفن تحت الرماد، ونقلت بعض التقارير عن ميشيل دوكلو الباحث في معهد مونتين والسفير الفرنسي السابق لدى سوريا وسويسرا، أنَّ «الخوف في فرنسا هو أنَّ ميزانية الدفاع الألمانية ستصبح قريباً ضعف ميزانية فرنسا، إنَّها نقطة تحول تاريخية».

يسلط الكاتب توماس وايدر في مقال نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية، الضوءَ على كتاب «أعداء بالوراثة» للمؤرخين أندرياس ويرشينغ وهيلين ميار دولاكروا، الذي يتناول طبيعة العلاقات بين فرنسا وألمانيا على امتداد القرنين الماضيين، وجاء فيه أنَّ فرنسا كانت لحدود الثلث الثاني من القرن الـ19 الدولة التي تخشاها ألمانيا، وليس العكس. وبسبب تاريخ لويس الـ14 ثم نابليون، عدّ الألمان الفرنسيين شعباً «يتوق إلى الغزو والنهب»، وفقط بعد حرب 1870-1871، بدأت فرنسا «تقلق بشأن عدوانية ألمانيا».

اليوم ومنذ قيام الاتحاد الأوروبي شكَّلت فرنسا وألمانيا دعامتي الاتحاد الأوروبي، ولا ننسى أنَّ فرنسا هي الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي المسلحة نووياً - بعد خروج بريطانيا. وألمانيا هي القوة الاقتصادية والصناعية العظمى، لكن من قال إن ذلك يكفي لوأد الخلافات، وبعث حساسيات التاريخ من مرقدها؟!

الخلاصة من ذلك أنَّ معارك التاريخ القديمة لا تموت بل تجمد في خزائن الذاكرة البعيدة في كهوف جليدية، سرعان ما تُستدعى وتذوب عند أول طقطقة لحطب النار المتقلب على لهيب المصالح المتناقضة... ينطبق ذلك ليس فقط على فرنسا وألمانيا، بل على كل مكان من هذا العالم.