يستخدم الفريقان لغة واحدة تماماً منذ دخول منطق الحرب. ميزان القوى غير متكافئ على الإطلاق، لكنه هنا ليس الميزان التقليدي: أميركا تهدد بحرب داخل إيران، وإيران تهدد بحروب خارج أراضيها: أميركا تدفع بقوة الصواريخ التي لم يشهد العالم مثلها منذ الحرب العالمية، وإيران تدفع بقوى الكاميكاز، وتحذر من الصراع الإقليمي.
في ذروة هذا المشهد من خفاف وحوافر الحرب يستنفد الفريقان لغة التهديد فيما يهمسان بعروض التفاوض.
ومن يقبل منطق التفاوض يقبل منطق التسوية. وهكذا يكون كل فريق قد أعطي فوزاً معنوياً، ونصفاً من جائزة السلام، بالإضافة إلى حصص ترمب من دنيا المعادن.
غالباً الأزمات الكبرى تنتهي بتسويات كبرى. هكذا انتهت أزمة الصواريخ الكوبية العام 1963 قبيل لحظات من انفجار العالم. هكذا تراجع الكبار من منطق الفوز أو الموت إلى منطق اللافوز واللاهزيمة. منذ أن تحدث ترمب عن مفاوضات جارية أعلنت نهاية الحرب، وبدأ توزيع الجوائز. ولا يوجد شيء غريب في السياسة، أو مستغرب. ألم يقف دونالد ترمب في ولايته الأولى عارضاً أعمق المودات على كيم جونغ أون. وربما تكون المناسبة لذلك الآن: رزمة من الصواريخ الباليستية تطلق ابتهاجاً أمام حفيد كيم إيل سونغ.
لقد أصبحت الصواريخ نفسها عادة قديمة. التهديد بها أرخص تكلفة، وأشد وقعاً، والعائد المعنوي عالي النسبة. فلماذا الحرب العقلية ما دامت نسختها الصامتة تؤدي الغرض، وتثير جميع المشاعر، والمخاوف المطلوبة، وتشعل أسعار الذهب، وتلهب أسعار الفضة، ثم تطفئها، ثم تضاعف أسعار المعادن، ثم تهز السوق، فإذا العالم كله يصبح سوقاً للمضاربة. اغتنى من اغتنى، وافتقر من افتقر.
عالم يعيش ذعر المراهنة، ورعب الخسارة، ونشوة الأوهام. ولا يتعلم. لأن الدرس للعقال، والدروس للمجانين.
