عصر البيانات الضخمة!

عصر البيانات الضخمة!

الثلاثاء - 2 شعبان 1442 هـ - 16 مارس 2021 مـ رقم العدد [15449]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

عندما قام الكاتب الصيني الأميركي كاي فوو لي بتأليف كتابه «القوى العظمى للذكاء الصناعي» في عام 2018، الذي قال فيه إن «البيانات الضخمة هي النفط الجديد»، لم يكن يظن أنه لن يمضي وقت كبير حتى يعيش العالم ما كتب عنه. نحن نعيش اليوم عصر البيانات الضخمة بامتياز. إن عدد مستخدمي الإنترنت في العالم اليوم يبلغ ما يقارب الأربعة مليارات وسبعمائة مليون شخص. وهم المستهدفون.
ولنأخذ أمثلة بسيطة على الحراك الحاصل على بعض المنصات المشهورة اليوم على الشبكة العنكبوتية المعروفة باسم الإنترنت، فمثلاً يوجد حوالي مليارين وثلاثمائة مليون مستخدم نشط على موقع «فيسبوك»، ينشرون أكثر من 777 ألف منشور على الموقع المعروف. في المقابل كان هناك 50 مليار منشور على موقع إنستغرام، ومليارا مشاهدة في موقع يوتيوب... كل ذلك في عام 2019 فقط.
زادت قيمة سوق تحليلات البيانات الضخمة من 169 مليار دولار في عام 2018 لتصل إلى 274 مليار دولار عام 2020. وبلغ إنفاق الشركات على البيانات والتحليلات في عام 2019 مبلغ 187 مليار دولار. واليوم في ظل مرور عام طويل جداً بوجود وتفشي جائحة (كوفيد - 19) في العالم، التي أتعبت وأنهكت البشرية بشكل مذهل وغير مسبوق، هناك كنز عظيم وهائل من البيانات الضخمة الاستثنائية، هي بمثابة منجم ذهب خالص. والمقصود هنا البيانات الصحية لأعداد هائلة من البشر، بالإضافة لبيانات بالغة الأهمية والدلالة عن الأنماط الاستهلاكية لملايين البشر في ظروف قلقة.
إنها مرحلة الاستفادة والتحكم نتاج الحصول على البيانات الضخمة. ولإدراك دقة المرحلة القادمة من التاريخ البشري، نركز فيما قاله الكاتب والمؤلف الموسوعي والتر إيساكسون عن المراحل الثلاث في العلوم البشرية، التي وصفها بالثورات العلمية الثلاث في آخر مائة عام من التاريخ البشري.
الأولى وصفها بالثورة النووية، التي رمز إليها بإنجازات ألبرت آينشتاين الذي جاء ومن معه ليفتحوا آفاق العالم على عوالم ما تحت الذرة، والآثار المترتبة على علوم الفضاء والطب والتسلح، وأصدر عن كل ذلك مؤلفه الشهير عن السيرة الذاتية لآينشتاين.
الثانية ثورة المعلومات، التي نظمت المعرفة التراكمية بشكل رقمي دقيق جداً، ويتداولها الجميع، والتي رمز إليها بإنجازات ستيف جوبز الذي جاء باختراعات مكنت من تسهيل التقنية وتمكين المستخدم منها بشكل مدهش ومثير، وأصدر عن كل ذلك مؤلفه الأكثر مبيعاً عن السيرة الذاتية للرجل الأسطورة مؤسس عملاق التقنية شركة آبل الأميركية الراحل ستيف جوبز.
الثالثة هي التكنولوجيا الحديثة، التي يعتقد والتر إيساكسون أنها ستفوق الثورتين اللتين سبقتهما مجتمعتين؛ لأنها بحسب المؤلف تعني أنه سيكون باستطاعتنا تشفير المركب العضوي تماماً كما أمكننا القيام بتشفير الشرائح الإلكترونية الدقيقة. وفي وسط هذا الكم الهائل من المعلومات يعرف بطل المرحلة الـRNA أو الحمض النووي الريبوزي الذي تم التأسيس عليه إنتاج لقاحي «فايزر» و«موديرنا» لمكافحة جائحة (كوفيد - 19)، وغير ذلك من الأمراض المستقبلية بأسلوب سيثير الجدل العلمي والأخلاقي لما فيه من تدخل يوصف لدى بعض المشككين فيه بالتدخل الاستباقي، وبالتالي اللعب بالأقدار كما وصفها أحد المعترضين.
وقد قام والتر إيساكسون بتقديم هذه الفكرة في آخر إصداراته التي يبرز فيها الثورة العلمية الثالثة، وذلك في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان «كاسر الرمز: جنيفر دودنا وتقليم الخلايا ومستقبل الجنس البشري»، وهو يغطي مسيرة العالمة الأميركية الحائزة على جائزة نوبل للكيمياء عام 2020، والتي قادت أبحاثها للوصول إلى استخدام تقنية الحمض النووي الريبوزي التي تعتبر نقطة من جبل الجليد الغاطس وغيض من فيض مما سيفتحه هذا المجال تقنياً وعلمياً على الصعيد الطبي للبشرية.
ولكن في نهاية المطاف هي كم من البيانات الضخمة، وهي مناجم من الذهب لمن يحسن استثمارها اقتصادياً، ولكنها في ذات الوقت ترسانة أمنية لمن رغب في السيطرة والتحكم بشكل شمولي ومطلق.
كمُّ المعلومات غير المسبوق الذي تحقق على الأصعدة المالية والاستهلاكية والصحية، بالإضافة للمعلومات التي تحققت عن طريق معرفة نمط ومواعيد حراك البشر في مختلف الجيوب حول العالم... هذه المعلومات باتت متوفرة لفريقين: الحكومات وشركات التقنية الكبرى. المرحلة القادمة ستكون مرحلة استغلال ما عرف بالأنظمة والقوانين والرسوم والضرائب من قبل الحكومات، والمنتجات المذهلة من قبل الشركات.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة