لاءات ساعة الشدة

لاءات ساعة الشدة

الأحد - 30 رجب 1442 هـ - 14 مارس 2021 مـ رقم العدد [15447]
فـــؤاد مطـــر
صحافيّ وكاتب ومؤلّف لبنانيّ، خبير بالشّؤون العربيّة ولاسيّما مصر والسّودان والعراق

كان رأس المارونية الطائفة عند حُسْن الآمال المعقودة عليه من جانب اللبنانيين المصدومين من نهج بعض المارونية السياسية، والصارخين منهم والكاتمين الغيظ فيهم من ممارسات زعامات أعطوها من الولاء وإلى حد المبايعة، وعندما احتاجوا إلى وقفة من جانبهم فإنهم لم يجدوا أحداً منهم، وبقيت ليلة العيش الظلماء تزداد ظلاماً، ثم جاءت صيحة البطريرك بمثابة اللحظة التي تفتقدها الليلة تلك المتمثلة بـ «لاءاته» التي فاقت لاءات قمة الخرطوم بسبعٍ وستين «لا»، كل «لا» منها بمثابة بند في بيان أول من ثورة.
ما هو معقود على هذه العشرات من اللاءات الراعيِّة، ذات المسحة الروحية الاجتماعية، من الآمال قد يطول موعد جَنْيه. فهي مثل شتلة قام بغرسها بستاني حاذق وتحتاج إلى مَن يرويها بقطرات مع فارق أن اللاءات الصرحية تتطلب من الموجوعين المنتشرين من الناقورة إلى طرابلس، ومن بيروت إلى الهرمل، وعلى الجبل بسائر مكوناته، والسهل بكل شرائحه، المزيد من الهمة والثبات والتخفيف من الانفعالات وعدم استعمال الألفاظ غير المستحبة. وعندما سيحين يوم جني خير تلك الشتلة من ثمار تترجم ما حوته لاءات غارسها اللبناني الجذور العروبي المنطلقات، سواء لجهة الأشقاء الذين ينطقون الضاد أو لجهة الحقوق المنتهَبة بدءاً بفلسطين وانتهاءً بالأسكندرون، مروراً بطمب الكبرى وشقيقتها الصغرى وشقيقتهما أبو موسى، فإن الشاتل السيد الماروني سيُذكر دائماً بالخير على مبادرته التي أطلقها من صرحه، ولم تكن كما الصرخات في واد، وإنما تذكيراً بأمل أن تنفع الذكرى لذوي السلطان بأنهم مخطئون في غفلتهم، ولمن كانوا أصحاب السُلطة عن أحوال الرعية مستعمين وخرْسائيين وصمَّائيين أن منقلبهم مآله أسوأ المنقلبات.
للمرة الأولى في لبنان الـ10.452 كلم² يجد بنو قوم هذا الوطن، باستثناء أهل الحُكْم والذين حولهم، من لا يتلطى وراء صيغة الحوار حلاً للمعاناة وللمصائب المتتالية، وهذا ما اعتاد عليه الموجوعون في لبنان على مدى أربع سنوات عجاف، حيث كلما اشتدت الأزمة ولا تنفرج يتبارى المصرِّحون بطرح الدعوة إلى الحوار حلاً. وفي ضوء أكثر من محاولة حوار لم يتحقق أي انفراج. وللمرة الأولى يجد اللبنانيون الموجوعون المرجع الفاعل الذي لا يربط تشخيصه لواقع الحال البالغ السوء الذي وصل إليه اللبنانيون بمصلحة سياسية أو حزبية، بمعنى أنه يوظف ما يدعو إليه من أجْل تحقيق مكسب انتخابي أو وعْد بمنصب رفيع؛ ذلك أنه في أعلى المناصب كما أن كرسيه ليس لغاية شخصية أو للتوريث أو لتسديد التزامات لقوى خارجية مفروضة عليه.
ومن هنا، فإنه لا ينطق بما يقوله وعوداً أو لتحقيق مآرب شخصية لها المردود المالي إلى جانب الشعبوي. في ضوء ذلك، فإن أي طيف يعاني من وطأة البطالة والعلاج وتكاليف الدواء والمعيشة عموماً وتلبية احتياجات البنين والبنات الذين يتابعون الدراسة في الخارج، غير مغفور له عدم الالتفاف حول لاءات البطريرك الراعي، فهو هنا اثنان في شخص واحد: بطريرك طائفة متشققة ويحتاج ثوبها إلى رتق، وخير «رتَّا»، أي الراتق للثوب، هو في بعض التأمل في واقع الحال وعلى أساس أن التشقق الذي نشير إليه أحدث إصابة للبنان الوطن في هويته وتَسبب للبنان المواطن في محنة متعددة الأعراض والعواقب.
قبْل الرؤية الصرحية كانت الشكوى تحتاج إلى تفعيل تكتسب إمكانية الجدوى، ثم جاءت اللاءات السبعون وسيلة تحفيز للشاكين همساً أو من خلال مظاهرات متقطعة، من أجْل النطق بالصوت الأعلى. هكذا كانت الحال العربية عموماً قبْل القمة العربية الاستثنائية في الخرطوم. الشعب العربي مكسور الخاطر مغموم إلى أعلى درجات الغم حزين مما جرى يوم الخامس من يونيو (حزيران) 1967، ثم كانت القمة الاستثنائية في الخرطوم تحتضن الجميع. وبدل الانشغال في الذي جرى ولماذا جرى وما الذي كان يجب أن يجري، فإن رموز الحكمة والثروة رأوا وقف فيضان الإحباط والحزن والمعاتبة والخوف من أن تتسع مساحة الهزيمة.
ولقد تصرَّف الجمع العربي على نحو ما أوحى به الملك فيصل بن عبد العزيز، رحمة الله عليه، أي الالتفاف أكثر حول عبد الناصر المصاب في كبريائه، وذلك من خلال قرار إعادة بناء القوات المسلحة المصرية بغرض إزالة آثار العدوان، وذلك أيضاً من خلال دعم مالي مبرمج وغير محدد بفترة زمنية شاركت فيه الكويت وليبيا إدريس السنوسي، وفي الوقت نفسه ترميم النفسية العربية المحبطة، وذلك باتخاذ قرار قضى بإنشاء صندوق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي.
الذي حققته تلك اللاءات من خلال التخريجة السودانية في شخص إسماعيل الأزهري ومحمد أحمد محجوب، والنخوة السعودية في شخص الملك فيصل، كان قطْع الطريق بضع سنوات على أن يحقق الذئب الإسرائيلي الفاغر الأشداق الغرض الشرير.
ما لا بد ستحققه لاءات البطريرك الراعي، أن حالة اليأس من تصحيح الأوضاع لن تستمر. ومثلما أن الحالة العربية عموماً بعد قمة الخرطوم ولاءاتها الثلاث ليست كما حالتها حتى يوم 1 سبتمبر (أيلول) 1967 يوم إعلان تلك اللاءات، فإن الحالة النفسية لعموم اللبنانيين العالين الصوت كما الحابسينه قبل لقاء الصرح وقطرات الأمل بالانفراج، وربما بالخلاص من خلالها لاءات سيده، ليست كما كانت عليه قبْل ذلك اليوم الذي هو رافعة معنوية.
ويبقى أن المرء ليأسف كثير الأسف عندما لا ينظر الإيرانيون بنظرة من عليه البدء بصياغة موقف يجيز فيه للطيف اللبناني - الإيراني الهوى ترجيح كفة مراعاة الواقع الاجتماعي اللبناني على كفة التطلعات الطموحة للثورة الإيرانية. ونجدهم من خلال أحد منابرهم يتطاولون على صرح وطني بامتياز يرى في سيده جموع اللبنانيين في الجهر من جانب البعض وفي السر من جانب البعض الآخر، أنه سيصحح فيما يقوم به ما يمكن ويجب تصحيحه. وحتى إذا كانت دواعي التطاول لاستحالة الإفصاح عنها هي أن البابا فرنسيس سيزور العراق فيما لم، أو لا يزوره المرشد علي خامنئي لدواعٍ شخصية، ولم يتمكن آية الله الخميني من زيارته مع أنه قام بقلب نظام الشاه وتسلم الحُكْم وأمله أن يكحل عينيه بزيارة النجف وكربلاء وسامراء على الطبيعة ثم حرمه الرئيس صدَّام حسين بالحرب من هذه الأمنية... إنه حتى إذا كان التطاول مرتبطاً بما نشير إليه، فإن ما صدر عن المنبر الإيراني سقطة كان لمصلحة «حزب الله» والطيف المحلق في فضاء الحزب تفاديه.
وهنا تصح إضافة «لا» جديدة إلى لاءات البطريرك الراعي، وهي: لا تنسوا أن من يتطاول علينا إنما يتطاول على كل فرد منكم. كما يصح القول: إنهم لا يدرون ماذا يقولون كما ماذا يفعلون بآخرين. هداهم الله إلى الصراط المستقيم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة