الغنوشي والسياسة الموازية

الغنوشي والسياسة الموازية

الأربعاء - 21 جمادى الآخرة 1442 هـ - 03 فبراير 2021 مـ رقم العدد [15408]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي

محاولات الغنوشي رئيس البرلمان التونسي، خلق رئاسة «موازية»، وهي بدعة الغنوشي السياسية التي أطلق عليها «الدبلوماسية البرلمانية»، التي تجاوز فيها مواد الدستور التونسي التي جميعها حصرت السياسة الخارجية في رئاسة الدولة التونسية، وليست بالشراكة مع البرلمان، أو بالتوازي معه، هي بداية الصدام مع النخب التونسية في مقابل حالة غضب شعبي ترفض أخونة الدولة التونسية وسياسات شيخ «النهضة» راشد الغنوشي، الذي بدأ عهده رئيساً للبرلمان بالتخاصم والنزاع وإدارة مجلس النواب بسياسة التناطح مع الخصوم السياسيين والكتل الأخرى، إلى أن انتهى إلى منازعة رئاسة الجمهورية في اختصاصاتها، وكأن رئاسة مجلس النواب ضمن ما يسمى الرئاسات الثلاث في دول أخرى، في محاولة من الغنوشي لاستنساخ المشهد اللبناني في «الرئاسات الثلاث»، رغم أن رئاسة البرلمان التونسي، وفق الدستور التونسي، لا تتجاوز صلاحياتها إدارة الجلسات، ولا تمثل سلطة موازية لرئاسة الجمهورية، كما يسعى الغنوشي لتمثيلها برئاسة «موازية» لرئاسة الجمهورية، كما انعكس في تصرفاته ورحلاته السابقة لتركيا وغيرها، ما أحدث حالة من الغضب التونسي لدرجة نعته في هتافات تصفه بالسفاح كالتي هتف بها سكان قرية الحامة في وجهه، وهي مسقط رأس الغنوشي، حيث رفعوا شعارات من هذا القبيل عند زيارته لها. وهتافات أخرى تخص حكم جماعته «الإخوان»، فالغنوشي الذي لم يستطع التخلص من كونه رئيس جماعة أو حركة ليندمج في منصبه الجديد كرئيس لبرلمان تونسي لكل التونسيين.
البرلمان التونسي المأزوم بسبب تحركات وأفعال الغنوشي الذي يرى نفسه أكبر من رئيس للبرلمان، هو ما جعله يتجاوز صلاحيات رئيس البرلمان في الدستور التونسي إلى انتزاع بعض اختصاصات رئيس الجمهورية، ومنها التمثيل الخارجي، كما أن تمرير وزراء يصفهم رئيس الجمهورية بالفاسدين ضمن حكومة من المفترض أن تؤدي اليمين أمام رئيس البلاد، هي خصومة سياسية يفتعلها برلمان الغنوشي مع مؤسسة الرئاسة، ويعتبر تكريساً «للدبلوماسية الموازية»، التي من شأنها أن تسلب صلاحيات رئيس البلاد، الأمر الذي يعد خرقاً دستورياً فظيعاً، فالتجارب المحدودة لجماعات الإسلام السياسي في السلطة تؤكد أن الولاء لديهم للجماعة مقدم على الدولة بالمفهوم الوطني متعدد الاتجاهات السياسية.
رغم نجاة راشد الغنوشي زعيم حركة «النهضة» من تصويت سحب الثقة من رئاسة البرلمان، إلا أن الأصوات المعارضة له داخل وخارج البرلمان تتزايد، فمشروع الغنوشي لـ«أخونة» تونس، أصبح يواجه موجة كبيرة رافضة، فهذه رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي قالت: «إن راشد الغنوشي حول البرلمان إلى وسيلة لتنفيذ أجندة إخوانية في المغرب العربي»، مضيفة «أن مجلس النواب أصبح مزرعة خاصة لـشيخ الإخوان».
فتونس تشهد أكبر احتجاج نقابي في تونس، مصحوباً بهتافات ضد الغنوشي وسياسة التبعية لتركيا، في ظل وضع اقتصادي سيئ ووضع سياسي هو الأسوأ، وفق تصريح أحد الوزراء التونسيين.
فمظاهرات تونس المعيشية تعبر عن حالة شعبية ضاق بها الحال الاقتصادي المتردي، والفشل الحكومي في احتواء الأزمة الاقتصادية، وتحقيق حالة من الاستقرار طيلة عشر سنوات كانت حركة «النهضة» الحاكم فيها، وتسعى للتمدد، خصوصاً بعد منح الثقة لوزراء ترفض رئاسة الجمهورية أداءهم اليمين أمام الرئيس، الأمر الذي يؤكد سياسة التصادم والتوتر التي ينتهجها الغنوشي، الذي تجاوز صلاحياته كرئيس للبرلمان الذي لا تتجاوز صلاحياته إدارة الجلسات إلى رئيس موازٍ لرئيس الجمهورية، مما دفع بالرئيس للقول «لتونس رئيس واحد».
الأزمة في تونس اقتصادية بالأساس، من بطالة متزايدة إلى أزمة «كورونا» في ظل إمكانات محدودة وموارد شحت كالقطاع الاقتصادي، مصحوبة بالفشل السياسي بسبب تعنت «النهضة» والخطاب العدائي للغنوشي جعل منها تزداد تعقداً يتجاوز الخلاف فيها عن بضعة وزراء «فاسدين»، تصريحات الرئيس، الذي تحاول «النهضة» عزله في قرطاج.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة