سبع أولويات وخرائط بايدن والواقع الجديد

سبع أولويات وخرائط بايدن والواقع الجديد

الأربعاء - 14 جمادى الآخرة 1442 هـ - 27 يناير 2021 مـ رقم العدد [15401]
د. محمود محيي الدين
اقتصادي مصري

فرضت أزمة «كورونا» واقعاً جديداً تتنازع فيه سبع أولويات لاهتمامات المسؤولين حول العالم، وتهيمن على جداول أعمالهم، وإن اختلفت قدراتهم في التعامل معها بمدى ما يتوفر لديهم من موارد وخبرات وقدرات مؤسسية. أولى الأولويات التي تضج بها المضاجع هو التعامل مع وباء «كورونا»، فقد قالت عنه جين ساكي المتحدثة الرسمية للبيت الأبيض بأنه أول ما يبدأ به الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن عمله، وهو آخر ما ينهي به يومه. وتواجه الدول سباقاً مع الزمن، وبين بعضها البعض، سباقاً غير متكافئ لتوفير اللقاح. فمنها ما قام بتأمين احتياجاته بما يلزمها ويفيض، ومنها ما لم يهتد بعد إلى سبيل.
ولعل الرئيس بايدن، وهو يبشر العالم بالعودة إلى مضمار التعاون الدولي ودعم المنظومة متعددة الأطراف، أن يساند مطالب الدول النامية التي قدمتها لمنظمة التجارة العالمية في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي لإزالة حواجز الحقوق الملكية الفكرية المانعة من الحصول على المنتجات الطبية المتعلقة بالوقاية والعلاج من فيروس «كورونا»، وهو ما عارضته الولايات المتحدة في عهد الإدارة السابقة. ليس هذا وقت جني الأرباح الباهظة لبعض الشركات، فإطالة أمد هذا الوباء المهدد لحياة البشر يزيد من الخسائر الاقتصادية، وتفاقم الركود في قطاعات اقتصادية رئيسية وزيادة البطالة.
الأولوية الثانية هي منع مشكلة تراكم الديون من أن تتحول لأزمة طاحنة. فما يعرف بالموجة الرابعة للديون، أتت بعد موجات ثلاث على مدار العقود الأربعة الماضية انتهت بأزمات في أميركا اللاتينية، ثم في الأسواق الناشئة ثم بأزمة مالية عالمية على الترتيب. ومما يحول دون وقوع أزمة مديونية ضرورة توفير السيولة الدولية في شكل زيادة إصدار وحدات حقوق السحب الخاصة لكل الدول الأعضاء بصندوق النقد الدولي بمقدار لا يقل مبدئياً عن 500 مليار دولار، على أن يزيد بعد ذلك بأربعة أمثال ليصل إلى تريليونين بما يساند الدول النامية خاصة الأقل دخلاً والأعلى مديونية. وقد عارضت الإدارة الأميركية السابقة هذا التوجه في أبريل (نيسان) الماضي، ولعل الرئيس بايدن يدشن توجهات إدارته في دعم النظام النقدي الدولي بهذا الإجراء العاجل.
الأولوية الثالثة هي استمرار تمويل الاحتياجات العاجلة لمواجهة الوباء وتداعياته. في حين استطاعت الدول المتقدمة والغنية ضخ تمويل في شكل حزم مساندة تجاوزت 10 في المائة من دخولها القومية في أحوال كثيرة، عجزت دول نامية عن تدبير 1 في المائة من موازناتها العامة لدعم نظم الضمان الاجتماعي والأنشطة الاقتصادية المضارة بسبب الوباء. وقد تكون المطالب بزيادة المساعدات الإنمائية الدولية للاقتصادات النامية أمراً متوقعاً، ولكن الواقع يشير إلى تراجع غير مسبوق في هذه المساعدات نظراً لما يعترض موازنات الدول المانحة من تحديات، فضلاً عن انكماش اقتصاداتها العام الماضي بين 4 في المائة و5 في المائة. وأرى من باب أولى أن يتم التصدي بشكل حاسم لاستمرار تدفق الأموال غير المشروعة من الدول النامية إلى الدول المتقدمة على النحو الذي عرضه تقرير أخير لمنظمة الأونكتاد. حيث أوضح التقرير أن أفريقيا وحدها تفقد سنوياً ما يقترب من 90 مليار دولار، بما يفوق ما تحصل عليه من مساعدات إنمائية واستثمارات أجنبية مباشرة مجتمعة. ولعل الرئيس بايدن، وهو يبشر بعودة بلاده إلى دور فاعل في الاقتصاد العالمي وحوكمته، يبدأ بمساندة تنفيذ قائمة الإجراءات والتوصيات المطروحة منذ سنوات لمنع التدفقات غير المشروعة، والقضاء على الملاذات الآمنة الحاضنة لأموال التهرب الضريبي، ومكاسب الألاعيب المحاسبية لتسريب الأموال من الدول النامية.
الأولوية الرابعة، الاستثمار في التعافي الاقتصادي الذكي المستدام؛ إذ تحتاج الدول في عالم يعاني من الركود لاستثمارات ضخمة وزيادة الطلب؛ لكي تحقق معدلات أعلى للنمو مصاحبة بتشغيل للعمالة. وقد طور الاتحاد الأوروبي وكوريا واليابان وكندا ودول أخرى برامج للإصلاح وإعادة الهيكلة أطلقت عليها مسميات ركزت على أهم مكوناتها التي تشمل التحول الرقمي والنمو الأخضر. وكان من أول قرارات بايدن التنفيذية عودة بلاده لاتفاقية باريس لعام 2015 التي انسحبت منها الإدارة السابقة. وينبغي التأكيد على أن تنفيذ تعهدات اتفاقية باريس يمثل حداً أدنى لحماية العالم - بشراً وبيئة - من تغيرات المناخ، هذا بافتراض إمكانية الالتزام بتنفيذ تعهداتها. ومسألة الالتزام هذه محل شكوك ساقها في كتاب مهم صدر منذ شهور لخبير الطاقة والاقتصاد الدولي دانيال يرجين تحت عنوان «الخريطة الجديدة»، الذي أوصى مراجعوه بأن يطلع عليه الرئيس الأميركي الجديد. وقد انتهى الكاتب إلى أن الآمال الطموحة لاستدامة الاقتصاد والتنمية، التي تزايدت بعد الجائحة تعترضها موانع نظامية وعملية وتكنولوجية وتمويلية تمنع التحول المنشود نحو التوافق البيئي والمناخي، إلا إذا حدثت نقلات تكنولوجية كبرى تغير من الاعتماد على الطاقة بصورها التقليدية من نفط وغاز. فرغم ما حدث من انخفاضات مهمة في تكاليف الطاقة البديلة ما زالت أعباء إعادة الهيكلة من الضخامة المانعة لتلبية تعهدات اتفاقية باريس.
أما الشق الذكي من الاستثمارات، والمتمثل في التحول الرقمي فلا يخلو أيضاً من تنافس يقترب من الصراع حول مستحدثات وتطبيقات الجيل الخامس من تكنولوجيا شبكات الاتصالات والمعلومات بين الاقتصادين الأكبر عالمياً. ومن التبسيط المخل والتفاؤل المفرط الاعتقاد بأن العالم الذي يتجه منذ فترة نحو نظامين تكنولوجيين متنافرين سيتجه للتوافق التلقائي بمجرد زوال الإدارة الأميركية السابقة، متجاوزاً اعتبارات الأمن والمنافسة ودوافع الهيمنة والمكاسب الاقتصادية في العصر الرقمي. ويزيد هذا بُعداً جديداً للتوتر الجيوسياسي على خريطة دانيال يرجين.
هذه الأولويات تشكل السياسات العامة في الدول العربية شأنها في ذلك شأن دول نامية أخرى مع اختلاف في التفاصيل وفقاً لأحوالها الاجتماعية والاقتصادية. وقد تكون لإدارة بايدن أدوار في التعاون بشأنها على النحو المذكور. بيد أن هناك ثلاث أولويات أخرى يجب أن تضطلع بها الدول العربية مستقلة بالاعتماد على إدراكها لاعتبارات الاقتصاد السياسي بها. وتتمثل هذه الأولويات في إعادة تعريف نطاق دور الدولة في النشاط الاقتصادي وتحقيق أقصى نفع منه؛ ودفع التعاون الإقليمي العربي في إطار التحولات الجارية في مسارات العولمة، وإعادة تشكيل خطوط التجارة الدولية خاصة بعد أزمة «كورونا»، وأخيراً، وليس آخراً حتماً، تأتي أولوية توطين التنمية بدفع الطلب المحلي، وتطوير الخدمات الحيوية والبنية التحتية والتكنولوجية للقرى والمدن الصغيرة التي تحتضن عموم الناس كأهداف اجتماعية واقتصادية أساسية لن تتحقق التنمية المستدامة إلا بها.
ما ذكرته بشأن تحقيق الأربع الأولويات الأولى يفترض قدرة للاقتصاد الأميركي، الأول عالمياً حتى الآن، على مساندة توجهات قيادته ورغبتها في التعاون الدولي. لكن لا يمكن بحال تجاهل أن الرئيس الأميركي الجديد يتولى الحكم وبلاده أقل وزناً في الاقتصاد العالمي باعتبارات نسبة الإسهام في إجمالي الناتج المحلي، كما تتراجع إلى المركز الثاني، بعد الصين، بمعيار معادل القوة الشرائية، وتأتي في المركز الثالث في التصدير بعد الصين والاتحاد الأوروبي.
كما تواجه الإدارة الجديدة تصاعداً في الموجات العنصرية، واستقطاباً سياسياً وتشكيكاً في سلامة الانتخابات الرئاسية، وتوتراً في صفوف الجمهوريين، وزيادة في التباين داخل الحزب الديمقراطي الحاكم الذي ينتمي لأحزاب الخيمة الواسعة التي تشمل تيارات مختلفة، وتهديدات أمنية داخلية حرجة على شاكلة ما حدث في مبنى الكونغرس في السادس من يناير (كانون الثاني)، الذي سيظل يوماً مشهوداً في التاريخ الأميركي، هذا كله مع انكماش في الاقتصاد وزيادة حادة في البطالة، وتفاوت شديد في توزيع الثروات والدخول. هذا كله سيجعل خريطة طريق المائة يوم الأولى للرئيس الأميركي السادس والأربعين، الذي انتخب في سنة عجيبة الأحداث أكثر استثنائية عن المعتاد، وهذه من سمات الواقع الجديد.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة