موقف الدول العربية بمواجهة {كورونا}

موقف الدول العربية بمواجهة {كورونا}

الأربعاء - 14 جمادى الآخرة 1442 هـ - 27 يناير 2021 مـ رقم العدد [15401]
د. ثامر محمود العاني
مدير إدارة العلاقات الاقتصادية بجامعة الدول العربية - أستاذ الاقتصاد القياسي بجامعة بغداد سابقاً

ستتضح معالم آثار الأضرار التي تكبدتها الاقتصادات العربية بعد أن تهدأ عاصفة فيروس كورونا، حيث إن أغلب الدول لا تزال تحت واقع الصدمة ولم تمر بعد لمرحلة استيعاب التداعيات. وقد تكون دول الخليج العربية ومصر والأردن الأكثر حظاً عربياً وإقليمياً في استشراف خطط إنقاذ ممكنة للحفاظ على حياة المواطنين مع تحمل إصلاحات غير موجعة مقارنة بالدول العربية الأخرى التي بذلت أيضاً جهوداً استثنائية في مواجهة الوباء. وقد تكون الدول العربية مجبرة على فرض إصلاحات جوهرية في منظومة اقتصاداتها وأسواق العمل، حتى وإن لاقت انتقاداً شعبياً، إلا أنها قد تكون الحل الأفضل والآمن للحفاظ على التنمية لمستقبل أجيال الدول العربية. وقد تسرع تداعيات الوباء، إجراء إصلاحات كانت الحكومات العربية تتردد في تنفيذها أو هي مؤجلة منذ سنوات طويلة وذلك خشية رفض شعبي لها، إلا أن الإصلاح بات ضرورة قد تضطر الحكومات بموجبه لتسريع تنفيذ خطط أهمها تنويع الإيرادات وترشيدها وزيادة تطبيق الحوكمة وهيكلة اقتصاداتها الوطنية.
يكشف وباء كورونا تباعاً نقاط ضعف في الدول العربية قد تؤثر على النظرة المستقبلية لنموها وتحولاتها الاجتماعية والسياسية، إذ أن نقاط الضعف تمثلت في أولاً، مدى هشاشة بعض اقتصادات الدول العربية وسرعة انكشافها على الأزمات العالمية نظرا لتبعيتها المفرطة لحركة الأسواق الخارجية واعتمادها بشكل متفاوت على مصدر وحيد للثروة، ثانياً، محدودية تنوع إيراداتها، وثالثاً، قلة التعويل على رأس المال البشري الوطني، رابعاً، محدودية التعاون المشترك بين الدول العربية وعجزها عن تحقيق اكتفاء ذاتي بينها خاصةً على مستوى الأمن الغذائي والوظيفي والصحي.
رغم تفاوت استعدادات الدول العربية لاستيعاب الأزمة، إلا أن دول الخليج ومصر والأردن، قد تكون في وضعية أفضل من باقي الدول العربية محدودة الموارد وخاصةً على مستوى القدرة على تحمل التداعيات وتمويل العجز المترتب عن الركود الذي سيخلفه الوباء. لكن وإن كانت قدرة دول الخليج وملاءتها المالية تمكنها من تحمل صدمة ارتدادات الركود، إلا أن احتياطاتها المالية قد تتآكل سريعاً إذا تعمقت الأزمة في ظل الاختلالات الحالية. وإن لم تنجلِ بعد آثار الصدمة التي خلفتها الجائحة على اقتصادات الدول العربية، إلا أن دول الخليج ومصر والأردن لديها القدرة على الأقل على امتصاص الصدمة خاصةً مع توفر ملاءة مالية يمكنها أولاً، تعويض الخسائر المباشرة المترتبة عن شلل جزء من اقتصاداتها وثانياً الاستجابة للحد الأدنى من المطالب الشعبية وأخيرا عدم الإضرار بالقدرة المعيشية والشرائية للمواطن.
حتى الآن تفاوتت الاستجابة للوباء بشكل كبير بين الدول العربية، رغم أن معظمها قد اتخذ تدابير وقائية تشمل الحجر الاجتماعي ووقف الكثير من الأنشطة الاقتصادية، إلا أن دول الخليج ومصر والأردن استبقت مرحلة ما بعد الوباء بسياسات التحوط المالي لتمويل خطة إنقاذ شاملة، وعلى الدول العربية الأخرى البحث عن موارد لتمويل خطط إنقاذ عاجلة خاصةً للجانب الاقتصادي والاجتماعي في ظل تراكم تاريخي لمديونية هذه الدول ما قد يمثل لها عائقا كبيرا للتنمية الاقتصادية. سوف تؤدي ردود فعل الدول العربية ضد التهديد الذي يمثله فيروس كورونا المستجد إلى تعقيد بعض المشاكل القائمة في المنطقة، خاصةً في سياق دولي مليء بالتحديات، وقد ينتج عن ذلك أن تتحول الصعوبات الاجتماعية والاقتصادية إلى أزمات، ما لم يتم توفير لقاح فعال ضد هذا الوباء، فإن التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للقيود الصارمة التي تفرضها الحكومات العربية قد تكون باهظة الثمن، وقد لا تستطيع بعض الدول العربية تحملها طويلاً.
وقد أطلقت الحكومات العربية حزم حوافز طارئة لتوفير الإغاثة الاقتصادية الفورية للسكان والمؤسسات، ولتوفير السيولة والدعم المالي خاصةً للشركات الصغيرة والمتوسطة وتشجيعها على المبادرات في مجالات غير نفطية ومتنوعة ومن المرجح أن تصبح الصناعات الرقمية والخدمات عن بُعد أهم المصادر الملهمة للمشاريع المستقبلية ضمن خطط التنويع الاقتصادي. وفي الواقع، تمتلك معظم دول الخليج احتياطيات هامة من العملات الأجنبية الضخمة ونسبا منخفضة من الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي وهي عوامل من شأنها أن تسمح لها بخروج آمن من المشاكل التي ستخلقها تداعيات الوباء قريبة ومتوسطة الأمد. إن دول الخليج ومصر والأردن مرشحة لتجاوز الصدمة قبل نظيراتها العربية، وإن الأفكار الشبابية المبدعة قد تكون الفرصة الوحيدة لاجتياز تداعيات الوباء من خلال الرهان على الشباب والابتكار والرقمنة وتقليص الاعتماد على النفط.
وأظهرت الوقائع أن دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن أفضل بكثير من غيرها من الدول محدودة الدخل في جهود مكافحة الوباء وإنعاش المرضى وسرعة ونجاعة التدخل الطبي في شفاء الحالات الحرجة منها. كما استفادت دول مجلس التعاون الخليجي قبل غيرها من الدول العربية من موجة التلقيح ضد الفيروس، ومن المرجح أن يسهم التطعيم في تقليص نسبة التعرض لخطر الوفاة بالفيروس. وهو ما يعكس تحسن خدمات الدعم الصحي توازيا مع تطور جودة البنى التحتية الصحية في بعض الدول العربية في السنوات الأخيرة رغم بعض النقائص الموجودة. وقد أظهرت الوقائع مدى ضعف الوضع الصحي في دول تعاني مشاكل مثل اليمن وسوريا والعراق والسودان، فضلاً عن حالة استنزاف للمرافق الصحية والقدرات الطبية في دول محدودة الدخل مثل موريتانيا ولبنان وفلسطين وتونس والمغرب. ورغم توافر الكفاءات الطبية في هذه الدول إلا أن الجائحة أظهرت مدى افتقار هذه الدول للمعدات والأجهزة ومرافق الطوارئ. على صعيد آخر، أظهرت النتائج أن إدارة جهود مكافحة الوباء أثبتت فعاليتها، إذ أن استقلالية التحرك الطبي وفرق الاختصاص أعطت نجاعة في التدخل في الدول العربية في تطويق الوباء وتقليص خطر تداعياته على حياة المصابين.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة