الكاظمي و«الحشد الشعبي»... المعركة على روح العراق وعقله

الكاظمي و«الحشد الشعبي»... المعركة على روح العراق وعقله

الثلاثاء - 15 جمادى الأولى 1442 هـ - 29 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15372]

أحدُ أبسطِ عناصر تعريف الدولة أن تحتكر مؤسساتها الأمنية استخدام القوة حين الضرورة، وفقاً لضوابط دستورية وقانونية. حين تظهر قوى ومؤسسات غير نظامية ولديها سلاح وقواعد اشتباك، وعقيدة غير تلك التي يؤكد عليها الدستور، يصبح مبدأ سيادة الدولة محل تساؤل. الأمر واضح في الحالة العراقية، وكذلك في كل الحالات التي ظهرت فيها قوى تعتبر نفسها فوق الدستور والقانون، وأن لديها تفويضاً من جهة ما لفرض آليات معينة على مجمل مؤسسات الدولة، من دون الرجوع إلى القواعد القانونية السائدة. ومن ثم تطل الفوضى برأسها لتحرج الجميع.
الحالة العراقية كصراع على روح الدولة وعقلها ومصيرها وأولوياتها وتوجهاتها الاستراتيجية، تعد نموذجية بكل المقاييس. اليمن في عمق هذه الحالة، والوضع ذاته في لبنان وسوريا، مع اختلاف في الدرجة ومسميات الأطراف الفاعلة. الجامع بين كل تلك الحالات يتمثل في وجود تنظيمات وأحزاب فرضت نفسها بالقوة، وبدعم خارجي معلوم المصدر والأهداف، ما يحد من مبدأ سيادة الدولة، ويضع قيوداً على حركة المؤسسات الشرعية، ويفرض أنماطاً من الصراعات والأزمات في الداخل الوطني لصالح قوى خارجية، وبحيث تبدو الصراعات في الداخل عبارة عن حرب بالوكالة، من دون الاكتراث بالمصالح الوطنية المعلومة للكافة. وفي النتيجة النهائية تدخل الدولة المعنية في عداد ما يُعرف بالدولة الفاشلة، أو تقترب جداً من هذا المستوى.
العراق بلد كبير، وشعبه قادر على صنع مستقبل أفضل لنفسه وللمنطقة حوله؛ لكنه يفتقد الأسباب والآليات المناسبة لكى يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. وأحد أهم تلك الأسباب هو السطوة الإيرانية والتغلغل في مفاصل حيوية في المجتمع العراقي طوال 17 عاماً مضت، رغم وجود الحليف الأميركي على الأرض العراقية، وخضوع قيادات سياسية كثيرة للنفوذ الإيراني على حساب مصالح العراق الحقيقية وسيادته الواجبة. حالة «الحشد الشعبي» العراقي تمثل الواجهة الأبرز لهذا النفوذ الإيراني، كما تمثل نموذجاً لتضارب الولاء ما بين احترام سيادة الوطن والعمل من أجله، وبين تجاهل مصالحه من جانب، والولاء لصالح الجار النافذ من جانب آخر.
الكل يعلم، بما في ذلك العراقيون أنفسهم، أن «الحشد الشعبي» العراقي بكافة فصائله هو أحد أذرع إيران النشطة محلياً وإقليمياً، وأنه أداة تُستخدم لتوجيه رسائل للولايات المتحدة بين وقت وآخر، وأنه قيد الطلب والحركة حين تعجز إيران الرسمية عن توجيه رسائل بالسلاح وبلون الدم. وحتى ما قبل مقتل قاسم سليماني بواسطة غارة أميركية قبل عام تقريباً بالقرب من مطار بغداد، كانت فصائل «الحشد الشعبي» تضع الأولوية في صورة إزعاج الوجود العسكري الأميركي، لدفعه للانسحاب الكامل في أقصر وقت ممكن. الشعارات والمبررات التي استُخدمت كانت تدغدغ المشاعر الوطنية، صيغت باعتبارها تهدف إلى تحرير الوطن من النفوذ الأميركي، وفي حقيقتها كانت تهدف وما زالت إلى ترسيخ النفوذ الإيراني من دون قيود، باعتباره المحدد الأول لوضع العراق ومصيره.
الكل يعلم أيضاً أنه رغم قرار رئيس الوزراء السابق عادل عبد المهدي الصادر في يوليو (تموز) 2019، بتنظيم وضع فصائل «الحشد الشعبي» في إطار القوات المسلحة العراقية، وإخضاعها لضوابطها الاحترافية، لا سيما الانصياع إلى القرارات التي تصدر عن قيادة القوات النظامية، والاندماج كوحدات وفق النظم المعمول بها من دون أسماء خاصة، كتلك التي تشتهر بها، كـ«عصائب الحق» و«حزب الله العراقي» وغيرهما، وإغلاق مقراتها، وخروجها من المدن إلى حيث تصدر به قرارات من القوات المسلحة، ويعتبر كل من يخالف تلك الضوابط «خارجاً عن القانون ويُلاحق بموجبه»؛ رغم هذا القرار، فإنه لم ينفذ حتى بعد مرور أكثر من عامين على صدوره، كما أن خضوع سلاح تلك التنظيمات ما زال بعيداً عن سيطرة المؤسسات الرسمية، ويعمل لحساب أصحابه والتوجيهات القادمة من وراء الحدود.
ما سبق يفسر إلى حد كبير حالة الاحتقان التي تسود الآن بين رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي و«عصائب أهل الحق» و«حزب الله العراقي»، والتي تنذر بمواجهة كبرى. كأي رئيس وزراء يلتزم تطبيق القانون، اتخذ قراره بالقبض على العناصر المسؤولة عن إطلاق الصواريخ على مقر البعثة الدبلوماسية الأميركية في المنطقة الخضراء. أما «الحشد الشعبي» المُفارق للقانون، فرأى الأمر بمثابة خروج عن واقع تفرده بالعبث بأمن العراق من دون محاسبة، ما يتطلب توجيه رسائل التحذير إلى رئيس الوزراء، والقيام باستعراض قوة في وسط بغداد. ووصل الأمر إلى إصدار «حزب الله العراقي» بياناً يتهم فيه رئيس الوزراء بخيانة العهد.
لماذا تريد فصائل «الحشد الشعبي» أو أبرزها، دفع العراق إلى حالة مواجهة مع مؤسسات الدولة في هذه الظروف التي تحيط بمجمل المشرق العربي؟ العودة إلى طبيعة ولاء فصائل «الحشد» لخارج الحدود تعين على الإجابة، فإلى جانب هدف الضغط على القوات الأميركية لتسرع بالانسحاب بهدف إفساح المجال لمزيد من النفوذ الإيراني، هناك ثلاثة عوامل مهمة، أولها تأكيد دور «الحشد الشعبي» العراقي كذراع إيراني إقليمي يمكن أن يسبب مخاطر جمة إن اندلعت مواجهة ما بين الولايات المتحدة وإيران، والتي يتردد عن احتمالاتها الكثير قبل انتهاء رئاسة الرئيس ترمب، وبالتالي إفساد رؤية وتوجه رئيس الوزراء في إخراج العراق من معادلة الصراع الإيراني الأميركي، وتجنيبه ويلات أي مواجهة محتملة، لا ناقة له ولا جمل فيها. والثاني إفشال توجهات الكاظمي بالانفتاح على جواره العربي ممثلاً في السعودية التي فتحت معبر عرعر مؤخراً، تيسيراً للتبادل التجاري وانتقال الأفراد بين البلدين، وتسهيل الاستثمارات المشتركة لصالح الشعبين، وفي السياق ذاته إفشال عملية الشراكة الاقتصادية الثلاثية التي تجمع العراق مع كل من مصر والأردن، بالقطع لا ترغب إيران وأعوانها المحليون في شيء من هذا. وثالثاً الضغط على رئيس الوزراء لكى يسمح ويقر بإنشاء قوات جوية خاصة بـ«الحشد الشعبي» العراقي بعيدة عن سيطرة القوات المسلحة، في استنساخ كامل لـ«الحرس الثوري» الإيراني، مع فارق أن النموذج الإيراني يعمل بإمرة قائد البلاد خامنئي، مؤمناً بشعار تصدير الثورة الإيرانية، أما النموذج العراقي المنشود فيعمل لحساب نفسه، ولمن يقوم بتوجيهه عن بُعد.
حين غرد الكاظمي محذراً من زج العراق في «مغامرة عبثية»، ومؤكداً استعداد حكومته لما وصفه «المواجهة الحاسمة»، أعلنت «عصائب أهل الحق» بعدها، أنها قررت «تغليب صوت العقل والحكمة»، ولم تمر سوى ساعات محدودة حتى أعلن «حزب الله العراقي» أن الكاظمي خان العهد، وهو تعبير يكشف عن نية المواجهة من جانب، وإطلاق العنان للموتورين للإقدام على قتل الرجل من جانب آخر. كلا الأمرين يفتحان أبواب الجحيم على العراق وشعبه. ولذا سيظل ليقظة الجيش العراقي وانتمائه الوطني وانضباطه الدور الأكبر في حماية العراق مما يُحاك له بليل.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة