معركة العصر الأخطر

معركة العصر الأخطر

السبت - 20 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 05 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15348]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"

ليس لأحلام جيف بيزوس من حدود. لم تعد القارات الخمس تتسع لطموحاته. أصبح مقتنعاً بأن ثمة حاجة للتوسع صوب الفضاء، ويحضر صواريخه، بعد أن أطلق طائراته، إما لترحيلنا بعد أن يصبح عالمنا جحيماً تصعب الإقامة فيه، أو ينقل الصناعات الثقيلة الملوثة إلى أحد الكواكب، ويتركنا نعيش بسلام.
الخطط في طور التطوير، وقد تحتاج وقتاً طويلاً. لكن بالعودة إلى الأرض، فإن صاحب «أمازون» متهم بأنه هو تحديداً، على رأس المخربين للكوكب الأرضي، على عكس ما يدَّعي، وأن عليه أن يرتدع عن جشعه. الحملة ضده، ومعه بقية عمالقة التكنولوجيا، لن تهدأ في أوروبا، وهناك اعتراضات كبرى في أميركا أيضاً. المفوضية الأوروبية حزمت أمرها لوضع حد لمن بات يعتبر «طاغوتاً» تتوجب مقاومته، مدعومة بحملة شعبية ونقابية واسعة. المشكلة أن المعركة غير متكافئة، ولن يلجم بسهولة من باتوا يمتلكون مئات المليارات، ويقبضون على أسرار أرواحنا، ويتحكمون في أمزجتنا، وبمقدورهم حرماننا من أسوأ وأغلى ما أدمنَّا عليه.
الحملة ضد «أمازون»، تتجاوز الاحتجاج على أنها تتهرب من دفع الضرائب، وتعدم صغار التجار بدكانها الأخطبوطي العملاق، وتتسبب في قتل آلاف فرص العمل، وبتلويث البيئة، ومراكمة نفايات مئات آلاف المنتجات التي ترميها سنوياً من دون الإسهام في تدويرها. كل هذا يهون أمام سحابتها التي تثير الرعب الأحمر، ويقدر بأن ما عليها من معلومات يوازي 35 في المائة من البيانات المحفوظة كونياً. هذا يعادل - على ما يبدو - كل ما هو موجود عند «مايكروسوفت» و«غوغل» و«علي بابا» و«آي بي إم»، مجتمعة. بيزوس له حصة الأسد، والسطوة الكبرى؛ لأنه يقدم خدماته لألد أعدائه ومنافسيه؛ إذ تضطر إلى أن تمر بخوادمه «نتفليكس» لتتأكد من جودة بث أفلامها، وتلجأ إليه «غوغل» صاغرة لتجويد بعض خدماتها الدقيقة، وتدفع له «أبل» 30 مليون دولار شهرياً، للاستعانة بسحابته الضخمة التي يمتلكها، بينما تتمم تطوير تجهيزاتها. وحين تقدم «أمازون» خدمات، ولو بدت طفيفة، فهذا معناه بشكل تلقائي أن تحصل على بيانات، وتجمعها وتحللها، وتخرج منها بنتائج، يمكنها استغلالها في كل مشروعاتها، لإحكام قبضتها، وحماية تفوقها.
ويشتعل الفرنسيون غضباً؛ لأن شركاتهم الكبرى، من بينها «رينو» مثلاً، وحتى بعض بنوكهم التي يفتخرون بها، ومتاجر كبرى أو بعض المصنعين الصغار، جميعهم مرهونون لخدمات «أمازون» الإنترنتية الجبارة.
وأن يكون لديك مفاتيح كل هذه المؤسسات، معناه أنك قادر على التجسس على من تشاء، وتفرمل طموح من تريد. هل تتوقع أن ترى أي موقع للبيع عبر الإنترنت ينافس بيزوس، إذا كانت «أمازون» التي لها قسم للتحليل والاستخبارات الخاص بها، تستعين به «إف بي آي»، قادرة على معرفة أي خطط منافسة مسبقاً؟ وهل تتوقع أن ترى منافساً لـ«فيسبوك» طالما أن زوكربيرغ يعرف دبة النملة، وقادر على رصد أي مشروع، وقراءة تطلعاته وأهدافه، وهو لا يزال طي النيات؟ هذه شركات أهم ما تعرفه هو المشاعر والعواطف والتمنيات، بمعنى آخر حميميات الحميميات. وهذا في غاية الخطورة.
ثمة قناعة فرنسية بأن بيزوس يتجسس على سياسيين، ونقابيين، وهيئات في المجتمع المدني، وحتى «السترات الصفراء» المعادين له، ليتمكن من صد هجماتهم. ووقعت عريضة، شارك فيها عدد كبير من هؤلاء، تطالب «بوقف (أمازون) قبل فوات الأوان»، محذرة من أن حبس الناس في منازلهم بسبب الوباء، أعطى فرصاً غير مسبوقة لعملاق سياتل ليتمدد، في الوقت الذي يغلق فيه قطاع التجارة بأكمله. ووزعت مجلة «لوبوان» التي خصصت ملفاً عنوانه «هل نحن عبيدهم؟»، والقصد طبعاً عمالقة التكنولوجيا، ونشرت لوائح بأسماء مواقع وطنية بديلة، للشراء عوضاً عن «أمازون»؛ لكن المضحك هي الجملة الظريفة التي اعتلت اللائحة: «كي تتمكن من العيش من دون (أمازون)». الموقعون الفرنسيون على البيان يشرحون أن عدم فرملة بيزوس بالسرعة الممكنة، سيؤدي إلى مضاعفة حصته في السوق، وتدمير مائة ألف وظيفة في فرنسا وحدها، ويسهم في تدهور المناخ. بالطبع المتجر الشهير يخلق الوظائف؛ لكنه يفني أكثر منها أربع مرات، ويسهل الحياة؛ لكنه يقضي على آمال كثيرين، ويتعاون مع مصنِّعين صغار؛ لكنه بمجرد أن يصبح الإقبال على بضائعهم لافتاً، يصنع هو نفسه بديلاً عنها وبمواصفاتها؛ لا بل وأفضل.
الناس ليسوا جميعهم ضد «أمازون» الذي يعتبر متجره الافتراضي الذي نعرف مجرد شجرة لطيفة تغطي كل الخدمات الإنترنتية العالمية التي منها يحصل على رزقه الأكبر، وبفضلها يجمع كنزه السري، أي: البيانات.
حرب البيانات لا تزال في أولها، ولم تبرز إلا من أربع سنوات. كل الشركات الكبرى ستلحق بـ«أمازون»، وجميعها متهمة بالاستغلال والاحتكار والطغيان، وإن بنسب متفاوتة. وهي وإن بدأت تهذب من سلوكياتها، وتدَّعي أنها تتعفف عن استغلال بياناتنا وتوظيفها، وإخضاعنا للشراء أو الابتزاز، وربما للقصاص في المستقبل، فإن التأكد من ذلك سيكون مستحيلاً.
الاتحاد الأوروبي بدأ يخوض معركة العصر الأخطر التي تخص كل فرد منا. ويخشى «أسيادنا الجدد» أن تتمدد الحملة إلى أبعد من الاتحاد. وهم يجيِّشون لوبياتهم، ويستثمرون أموالهم، وإعلاناتهم، وكل قواهم المؤثرة التي هي بحجم الكوكب، لربح هذه الجولة الحاسمة.
فهل نحن في هذا الجزء المستضعف من العالم، المبتهج كما طفل ساذج بدميته المفخخة، سنجد من يدافع عن أصغر تفاصيلنا التي تباع يومياً في سوق النخاسة؟ أم أن الأمر قد قضي؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة