حول مقتل العالِم النووي الإيراني

حول مقتل العالِم النووي الإيراني

الأربعاء - 17 شهر ربيع الثاني 1442 هـ - 02 ديسمبر 2020 مـ رقم العدد [15345]
حمد الماجد
استاذ في جامعة الإمام بالرّياض، وعضو الجمعيّة الوطنيّة لحقوق الإنسان وعضو مجلس إدارة مركز الملك عبدالله العالمي لحوار الأديان والحضارات - فيينا

أمسى مقتل العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده ترومتراً يقيس حرارة مستوى الوعي العربي لما يحيط به من مخاطر وتهديدات إقليمية. وبغض النظر عن الجدل الدائر في الإعلام العربي القديم والجديد بين فريقين؛ فريق يرى أن عملية اغتيال محسن زاده ضرورية لتقليم مخالب إيران النووية، وبالتالي إنهاكها ووضع عصا في دولاب مخططاتها لمزيد من التمدد العسكري والسياسي والآيديولوجي، فهي الآن تحتل أربع عواصم عربية، وتهدد البقية، فكيف يكون حالها لو حازت القنبلة النووية؟
بلا ريب المزيد من التمدد و«البلطجة» السياسية والعسكرية والطائفية، ولن يهنأ لزعامات قم بال، إلا بتقويض دول الخليج أو دفعها للانزلاق نحو الفوضى ثم التعدي على الحرمين الشريفين، وهذا ما أميل له شخصياً... وفريق آخر يرى أنَّ اغتيال هذا العالِم النووي الإيراني، بل مبدأ الاغتيالات، هو بمثابة رمي عود ثقاب مشتعل في محل أسطوانات الغاز والمفرقعات، قد يقذف بالمنطقة إلى حروب عدمية تأكل أخضرهم ويابسهم.
بغض النظر عن هذا كله، فإنَّ اللافت في هذا الجدل كمية «الحنية» التي أبداها عدد من الإعلاميين في بعض دول الخليج تجاه نظام إيران، وتصوير مقتل هذا العالم النووي بأنه خسارة فادحة للأمة الإسلامية والعربية، وإضعاف للشوكة أمام العدو المشترك إسرائيل، وإن تعجب فعجب لهذه الجدلية العقيمة التي تفتقر إلى أبسط البدهيات، فنحن لا نحذر من خطر النظام الإيراني بسبب تاريخ عدواني قريب مسحته «ذاكرة سمك»، بل واقع مر ما برحت تصطلي بنار الخمينية الطائفية الإرهابية فيه أربع دول نخرها السوس الآيديولوجي؛ العراق وسوريا ولبنان واليمن، فأمست دولاً معلولة فاشلة تتراوح في أعراض مرضها بين النموذج الصومالي والليبي والأفغاني، لا هي من الأحياء فتُرجى، ولا من الأموات فيُصلى عليها الجنازة.
ومن المؤسف أن دولاً تلجأ إلى نظام إيران كما يلجأ الحمل الوديع إلى أسد يتضور جوعاً، في وضع مزرٍ يذكّر بعصر ملوك الطوائف في الأندلس، حين كان خصوم الأندلس يقودون حروب الاسترداد، وإلا فكل معطيات الأرقام الحسابات تؤكد أنَّ نظام إيران لا يستثني دولة في المنطقة من طموحه وعدوانيته، تستوي في ذلك الدول التي تقاومه والدول التي تتحالف معه والدول التي فضلت منطقة المجاملة الرمادية، فتخاصمه باللسان وتؤشر له مرحبة بالبنان.
إنَّ نظام إيران الطائفي يمارس مكراً كباراً ذروته «مقاومة إسرائيل»، فانخدع لهذا المكر دول وفصائل وأحزاب وإعلاميون، بل إنَّ بعض الدول المحورية في المنطقة لا ترى في نظام إيران تهديداً حقيقياً، وتتصور أن خصومة السعودية وعدد من دول الخليج لإيران إنَّما تندرج تحت بند «الخصومة الطائفية»، فظهرت لها مواقف باهتة من عدوان الحوثيين وتهديدات قم، فتسللت إلى هذه الدول الصامتة آيديولوجية إيران وهم لا يشعرون.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة