مخاطر مفهوم الجدارة بين النخب في الغرب والشرق

مخاطر مفهوم الجدارة بين النخب في الغرب والشرق

الخميس - 13 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 29 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15311]

الولايات المتحدة على وشك انتخاب رئيس، في أكثر الأجواء السياسية إثارة للانقسام في حياتنا. الفائز سيواجه المهمة التي لا يحسد عليها، وهي محاولة توحيد أميركا. وفي بريطانيا، تواجه الحكومة اختباراً مشابهاً لتوحيد البلاد، بغض النظر عن نتيجة مفاوضاتها مع الاتحاد الأوروبي بشأن ما يلي خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (البريكست).
أسباب الانقسام في مجتمعاتنا كثيرة، لكن عواقبه تصل إلى أبعد من التنافر السياسي. فكما أظهر كل من آن كيس، وأنجوس ديتون، فقد أدت «وفيات اليأس» الناجمة عن الانتحار جراء إدمان المخدرات والأمراض المرتبطة بالكحول إلى خفض متوسط العمر المتوقع للأميركيين البيض. كانت معدلات وفيات خريجي الجامعات مستقرة بشكل عام، فقد انخفض متوسط العمر المتوقع للأشخاص الذين لا يحملون شهادة جامعية بشكل ملحوظ. وبعد استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في بريطانيا، كان التفسير الأكثر تقدماً لسلوك التصويت هو التحصيل العلمي.
نعتقد جميعاً أن التعليم شيء جيد، لذلك وعد رئيس وزراء المملكة المتحدة السابق توني بلير بأن أولوياته الثلاث الأولى في الحكومة ستكون «التعليم والتعليم ثم التعليم». فهذه هي الطريقة التي تنشئ بها مجتمعاً لا طبقياً يتقدم فيه الناس على أساس الجدارة.
لكن انتظر لحظة. غالباً ما وصف الأشخاص الذين صوتوا للبقاء في الاتحاد الأوروبي خصومهم بأنهم جاهلون ومعادون للأجانب. لقد اقتربوا من الإيحاء بأن أصوات المتعلمين يجب أن يكون لها وزن أكبر. وأعربت هيلاري كلينتون عن نفس المشاعر عندما تحدثت بنفس المعنى، واصفة إياه بـ«المؤسف».
إن ازدراء المتعلمين لغير المتعلمين ليس سلوكاً مذموماً فحسب، بل خطير أيضاً. قل هذا للأرستقراطيين القدامى الذين وصفوا مفهوم الجدارة بأنه متغلغل في عظامهم وأنهم يكتسبونه بالوراثة عند الميلاد. لكن الجدارة تشجع الفائزين على عزو النجاح إلى القدرات الفطرية والعمل الجاد، والنظر بعين الاعتبار إلى الأقل أهمية. لكن لماذا ينبغي اعتبار معدل الذكاء والفرص التعليمية الموزعة أكثر استحقاقاً للمكافأة من اللقب الموروث؟
ربما لم يكن مفهوم «الجدارة» هو ما يجب أن يكون عليه الآن. فقد جرى نشر هذا المصطلح من قبل عالم الاجتماع البريطاني مايكل يونغ منذ نحو 60 عاماً. اللافت للنظر أن كتابه، بعيداً عن التأييد للاعتقاد السائد بعد الحرب في التقدم من خلال مفهوم الجدارة، كان في الواقع هجاءً لفكرة أننا قد نستبدل المكانة التي نكتسبها بجهدنا بالجدارة التي نكتسبها بالوراثة الجينية. وكما كتب يونغ لاحقاً: «أردت أن أبين كيف يمكن أن تكون الجدارة مهيمنة».
لماذا تجاهل الناس رسالته وأضفوا على الجدارة دلالات إيجابية؟ حسناً، نادراً ما يعزو الفائزون نجاحهم إلى الحظ. هذا صحيح في عالم المال والأعمال كما هو الحال في الرياضة. فقد دحض لاعب الكريكيت الإنجليزي إد سميث في كتابه «الحظ» الفرضية القائلة إن الجهد الكافي سيجلب التوفيق، وبالتالي يبرر النجاح. وكلما كانت مكافآت النجاح أكبر، كان من الصعب أن تظل متواضعاً وأن تتأمل في القول المأثور القديم: «هناك... لكن لنعم الله أذهب». والأسوأ من ذلك أننا لا نعتقد أننا نستحق نجاحنا الدنيوي فحسب، بل نعتقد أيضاً أن الفاشلين يستحقون الفشل. ومع اتساع الفجوة بين الرابحين والخاسرين في اقتصاداتنا، ازداد الانقسام في سياساتنا. لكن سبب هذا الانقسام ليس عدم المساواة الاقتصادية في حد ذاته، بل الشعور غير الخفي بتفوق الفائزين.
ستكون مواجهة هذه الجوانب السلبية للجدارة بمثابة اختبار لقادتنا السياسيين. هناك كتاب جديد مهم صدر في الوقت المناسب، كتبه مايكل ساندل، الأستاذ بجامعة هارفارد الأميركية يعالج فيه هذه القضايا بشكل مباشر. جاء العنوان في جزأين «طغيان الاستحقاق... ما مصير الصالح العام؟»، وهو العنون المهم لفهم حجته. عندما أجريت مقابلة معه أثناء لقاء جرى بكلية ستيرن للأعمال بجامعة نيويورك الأسبوع الماضي، أكد ساندل أنه مع الحفاظ على الاختيار على أساس الجدارة (من يريد أن يعالج من قبل طبيب غير مؤهل أو يطير بواسطة طيار غير مدرب؟!)، يجب علينا إيجاد طرق إدارة المنظمات التي تحافظ على كرامة جميع الأعمال.
خلال الفترة التي قضيتها في بنك إنجلترا لم أكن أتعاطف مع مقترحات الاستعانة بمصادر خارجية لأنها قوضت إيماني بأن كل من عمل في البنك قد ساهم في نجاحه وأن خفض التكاليف ليس بالضرورة الطريق إلى مؤسسة سعيدة وناجحة يتعاون فيها الجميع لتحسين عملياتها. وقد جرى التخلي عن تخفيض العمالة في خطوط تجميع السيارات عندما أثبتت «تويوتا» أن المنتجات المتفوقة يمكن صنعها من خلال تشجيع مجموعات العمال على الافتخار بإنتاجهم.
كان من الواضح جداً بالنسبة لي أنه بينما كان بإمكان أي شخص آخر في البنك القيام بجانب من وظيفتي على الأقل (التصويت مرة واحدة شهرياً لرفع أسعار الفائدة أو خفضها أو الحفاظ عليها)، لم أستطع القيام بأي من أعمالهم لأنني كنت أفتقر إلى المعرفة أو الخبرة في أن أكون كاتباً جيداً في البنك أو مهندساً يدعم أنظمتنا الاحتياطية.
يقبل الناس الاختلافات في الأجور ولكنهم يريدون إظهار الكرامة والاحترام للجميع. فالمجتمعات التي يُمنح فيها عمال النظافة الجيدون الاحترام بقدر الأطباء الجيدين تكون أكثر سعادة من تلك المجتمعات التي يظهر فيها الناس ازدراء للأقل موهبة والتي يقبلون فيها بسهولة أكبر التباينات في الأجور. لقد تراجع كثير من الأساليب التي جرى بها تعزيز هذا الاحترام، من خلال المشاركة في الألعاب الرياضية أو الخدمات الدينية.
من الواضح أن تحسين الفرص التعليمية، بحسب جدال توني بلير، أمر حيوي. ولكن إذا أصبحت المعركة هي التدافع على السلم الوحيد إلى القمة في السياسة أو الأعمال التجارية، فإن الجدارة ستؤدي حتماً إلى الغطرسة، كما توقع يونغ.
من المحتمل أن تكون الصين على النقيض من حجتي، وهي دولة تبنت مبدأ الجدارة منذ ألف عام أو أكثر. لا أحد يستطيع أن يشك في العيار الفكري للنخب في الصين، ولا في نجاحها في تأمين المزايا لأبنائها. فعندما زرت جامعة إقليمية في الصين قبل بضع سنوات، ودعني الرجل الثاني في التسلسل الهرمي الإداري، وهو عالم يحظى باحترام كبير، وقال إنه يأمل في رؤيتي في لندن. سألته: «ما الذي قد يأتي بك إلى لندن؟». أجاب: «ابني على وشك الانتهاء من دراسته في إيتون». هل ستنجح الصين في تجنب الانقسام الذي أصاب الغرب؟ إذا تمكنت من الجمع بين مزايا الجدارة دون غطرسة النخب، فقد يظل نموذجها السياسي قائماً. بالنسبة للغرب، الإجابة لا تكمن في الحد من عدم المساواة الاقتصادية فحسب، بل أيضاً في خلق شعور بأن كل شخص مهم بنفس القدر.
* بالاتفاق مع {بلومبرغ}


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة