«كورونا» بين الضروريات والكماليات

«كورونا» بين الضروريات والكماليات

الأحد - 2 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 18 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15300]
عادل درويش
معلّق سياسيّ مصري مراسل في برلمان ويستمنستر وداوننغ ستريت، ومؤرخ متخصص فى السياسة الشرق اوسطية.

الموجة الثانية من انتشار عدوى فيروس «كوفيد - 19» المستجد، سببت ضغوطاً غير مسبوقة على المستشفيات ومؤسسات الصحة والرعاية، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية، في أوروبا.
وتعاني المملكة المتحدة، نقصاً في إمكانيات إجراء الفحوصات والاختبارات التي تحدد المصابين، وحاملي الفيروس، لعزلهم، لتقليل انتشار العدوى.
الحكومة تأمل في إجراء نصف مليون اختبار يومياً مع نهاية الشهر الحالي. الأطباء غير مقتنعين بتفاؤل الحكومة التي تعلن إجراء 350 ألف اختبار يومياً. الاختبار يتعرف على وجود الأجسام المضادة التي يفرزها جهاز المناعة الإنساني إذا تعرض للفيروس. الإحصائيات تتم عبر «application» على أجهزة التليفونات الذكية المحمولة التي تخبر حاملها عما إذا كان يحتمل إصابته أو حمله للفيروس. فـ«الأبليكشن» المعني متواصل عبر الإنترنت مع مثيلاته في تليفونات الملايين، إذا كانوا قد وجدوا على مسافة تحتمل إصابتهم بالعدوى من شخص أثبتت الفحوصات حمله للفيروس.
المتخصصون يشككون في رقم 350 ألف اختبار، لأنه لا يعني عدد الأشخاص الذين أجري الاختبار عليهم. وإنما عدد العلب (test-kit) بمحتويات الاختبار التي أرسلت إلى من حددهم «الأبليكشن»، أو من طلبوه بعد اتصالهم بمراكز الصحة العامة (NHS)، وليست الاختبارات التي أجريت في المعامل بالفعل، فالأخيرة دون ثلثي الرقم. الرقم أيضاً يشمل من يجرون الاختبار إلزامياً، كالأطباء والممرضات والقائمين على رعاية المرضى والعجزة، الذين يتكرر اختبارهم دورياً، وأحياناً يومياً كالجراحين والعاملين في أقسام الرعاية المركزة.
أي أن الرقم شبه الواقعي للمختبرين الجدد الذين ظهرت عليهم أعراض هو دون 100 ألف يومياً (عدد سكان المملكة المتحدة يقارب 68 مليوناً)؛ أضف إلى ذلك أن الذين يستخدمون النظام على تليفوناتهم هم حوالي الثلث فقط (مقارنة بما بين 90 - 98 في المائة من عدد السكان في بلدان كتايوان مثلاً). وهذا يعني الجهل بالرقم الحقيقي لحاملي الفيروس الذين يعرضون بقية الشعب للعدوى. والسبب الرئيسي هو نقص الإمكانات مقارنة بعدد السكان.
نقص الإمكانات اضطر المسؤولين إلى اتباع سياسة، ليست الأمثل في التعامل مع وباء «كوفيد - 19 المستجد»، كما تنصح منظمة الصحة العالمية. فالأمثل هو إجراء الفحوصات (اختبار الفيروس) على أكبر عدد من السكان، وتوفير إجراءات العزل الصحي فور الاشتباه في الحالة (قبل انتظار نتائج المعمل)، ونقل من تظهر عليه الأعراض إلى المستشفى لتوفير العلاج. والإجراء الأخير يحدد الفارق بين انخفاض نسبة الوفيات، أو ارتفاعها، بمعدل الثلث إلى النصف. ورأينا مثلاً كيف تعافى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في زمن قياسي، بسبب نقله إلى المستشفى، فور ثبوت إصابته بالعدوى، مقارنة بحالة رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، الذي نقل إلى العناية المركزة، وكاد يفقد حياته. جونسون اتبع نصائح السياسة الموجهة إلى كل الشعب، وهي عزل نفسه في البيت لأسبوعين، بدلاً من الذهاب إلى المستشفى حتى لا يشكل ضغطاً على الأقسام الطبية، ومن ثم انتظر جونسون حتى تدهورت حالته الصحية. وهذا أيضاً حال الآلاف الذين فقد قرابة 22 ألفاً منهم حياتهم نتيجة التأخير في العلاج.
الملاحظة الأخيرة دفعتني إلى التوقف أمس عند «بوست» باللغة العربية، استفزني على «فيسبوك»، فأرسلت رداً عليه. سيدة (أو مدموزيل فلم تحدد اللقب)، تستفسر عن كيفية الحصول على الاختبار الصحي، كي تحصل على شهادة الخلو من الإصابة بالفيروس، التي تشترطها شركة الطيران الرسمية التابعة لبلادها قبل ركوب الطائرة.
لاحظ أن تعليمات وزارة الصحة البريطانية واضحة بشأن من يحق له طلب معدات إجراء الاختبار المجاني (وهو اختبار مكلف إذ ترسل العلبة المعقمة ببريد خاص مستعجل، وبعد إجراء الاختبار يرسل مكتب الصحة رسولاً بموتوسيكل أو تاكسي بأوعية حمل خاصة لاصطحابه إلى المعمل)؛ من تظهر عليه الأعراض، (ارتفاع الحرارة والسعال الجاف وسد الأنف وفقدان حاستي الشم والتذوق) - بجانب طبعاً الأطباء والممرضات. أي من يحتاج الاختبار وليس المسافر الموفور الصحة.
الذي استفزني ليس «البوست» نفسه، وإنما رد شاب من بلد المستفسرة ينبهها أن باستطاعتها طلب الاختبار من خدمة الصحة العامة (NHS) مجاناً.
واضطررت لكتابة رد لأسال الشاب: «ولماذا يطلب مسافر موفور الصحة إجراء الاختبار مجاناً من الخدمة الصحية التي يمولها الكادحون العاملون من دافعي الضرائب؟».
تكاليف إجراء الاختبار في معمل أو عيادة خاصة يكون مثل «البقشيش» الذي ستدفعه صاحبة السؤال إلى جرسون المقهى، مقارنة بثمن تذكرة السفر، وأجرة التاكسي إلى مطار هيثرو.
السفر بالطائرة للخارج ليس ضرورة ملحة، وإنما من الكماليات؛ بالمقارنة مثلاً بحالات المسنين والعجزة، وأصحاب الأمراض الذين تناقصت مناعتهم ومنعزلون لأكثر من سبعة أشهر، وبعضهم غير قادر حتى على الذهاب إلى المستشفى لإجراء جراحات القلب أو علاج السرطان أو جراحات تخفف الآلام المزمنة. حالة هؤلاء منعتهم من العلاج، إما خشية إصابتهم بالفيروس، الذي يعني «حكم الإعدام» في حال كثير منهم، أو لأن المستشفيات ألغت علاجهم مؤقتاً لتوجيه الإمكانيات والجهود نحو معالجة المصابين بـ«كوفيد - 19 المستجد».
الأكثر استفزازاً كان رد الشاب نفسه على تعليقي: «أنا لست مواطناً بريطانياً، ولا أدفع ضرائب هنا، ومع ذلك أتلقى العلاج المجاني من الخدمة العامة (NHS)».
الملاحظة أن مسؤولي الصحة في بلاد صاحب الرد لا يسمحون بعلاج مواطن بلد آخر مجاناً، كما يدفع الزائر من أي جنسية أخرى ثلاثة أضعاف ما يدفعه مواطن البلد عند زيارة الأماكن السياحية، أو ثمن إقامته في الفنادق أو أماكن الترفيه.
الممارسة في خدمة الصحة العامة تعتبر مهمة مقدسة، والأطباء في بريطانيا ملتزمون بالعهد الهيبوقراطي الذي أقسموا باحترامه عند تأهيلهم لممارسة المهنة الإنسانية (تسمية من أبقراط الذي عاش ما بين 460 - 370 قبل الميلاد ويعتبر أبا الطب)، فلا يسألون من يحتاج الخدمة الطبية عن جنسيته، أو عما إذا كان دفع ضرائب أم لا.
ولا توجد وسيلة قانونية لمنع هذا الاستغلال الذي وضع ضغوطاً على خدمة الصحة التي تصل ميزانيتها إلى 181 مليار دولار هذا العام، وتكلف أعباء «كورونا» 51 مليار دولار إضافية في الأشهر الستة الماضية. وإنما هي مسألة أخلاقية متروكة لصاحب الحاجة الطبية. المفارقة الساخرة الباكية أن أصحاب هذه التعليقات يطالبون في بلادهم بقوانين لضبط سلوكيات تعتبر خياراً فردياً أخلاقياً فقط في البلد الذي يستغلون السمو الأخلاقي لأطبائه، فيضيفون أعباء يعاني منها فقراء بريطانيا ومرضاها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة