أميركا: رهان آخر السباق

أميركا: رهان آخر السباق

الأحد - 1 شهر ربيع الأول 1442 هـ - 18 أكتوبر 2020 مـ رقم العدد [15300]

في سباقات الخيول، يقول عشاق المراهنات، إن السباق الحقيقي لا يبدأ إلا في المائة ياردة الأخيرة. وربما، وفقاً لتلك المقولة، مع الفارق، بدأنا نلاحظ، في الفترة الأخيرة، ومع اقتراب الوصول إلى خط النهاية، ارتفاعاً كبيراً في شدة حرارة التنافس وسرعته بين المعسكرين الجمهوري والديمقراطي في انتخابات الرئاسة الأميركية. وإلى حدّ الآن، يبدو المترشح الديمقراطي في المقدمة، رغماً عن أعوامه الثمانية والسبعين، في حين أن منافسه الجمهوري يليه بمسافة ليست قريبة، كما يشير إلى ذلك آخر استبيانات الرأي العام.
التصويت، سواء أكان بالحضور الشخصي أو بالبريد، بدأ في عدّة ولايات، ومعه بدأ تصاعُد التوتر يتسلل سريعاً، مرفوقاً بقلق، إلى معسكر الرئيس ترمب، بعد أن تبيّن أن سفينتهم، لخطأ في حسابات القبطان، أو لما أصابه من سوء حظ، تسير في اتجاه معاكس للريح. التوتر والقلق لم يتوقفا عند معسكر الرئيس ترمب، بل تجاوزاه إلى الضفة الأخرى من الأطلسي، وتحديداً إلى رقم 10 داوننغ ستريت، في لندن، الحليف التاريخي، حسبما كشفت عنه تقارير إعلامية صادرة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي. التقارير تتحدث عن تعليمات صادرة من مكتب رئيس الوزراء بوريس جونسون، إلى أعضاء حكومته بضرورة الإسراع في التواصل مع معسكر المترشح الديمقراطي جو بايدن، على نحو يدلّ على أن الأنظار والجهود اتجهت إلى تعويض الوقت الضائع بالسعي لبناء قنوات اتصال بالمعسكر المتوقع أن يصل إلى خط النهاية أولاً، ويتسلم مفاتيح البيت الأبيض. هذا التحوّل في الاتجاه والهدف، جاء بعد أن تسلم السيد جونسون تحذيرات من أن الرئيس ترمب يتجه نحو هزيمة، ما لم تحدث مفاجأة، وأن الديمقراطيين، وفقاً للمعطيات الحالية، على وشك تحقيق نصر ثلاثي: الرئاسة، ومجلسي النواب والشيوخ. التقارير ذاتها، تتحدث عن استبيانات سرّية قام بها مكتب رئيس الوزراء حول الانتخابات، أبانت احتمال فوز جو بايدن بنحو 70% من أصوات الناخبين. كما أن وزير الخارجية البريطاني دومينيك راب، زار أميركا مؤخراً، والتقى نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب من الحزب الديمقراطي، كما التقى العديد من الشخصيات المهمة في مجلس الشيوخ، من المقربين للمترشح بايدن. أضف إلى ذلك، أن السفيرة البريطانية في واشنطن كارين بيرس، على تواصل بشخصيتين من مستشاري بايدن في الشؤون الخارجية، ويتوقع أن يكون أحدهما – جاك سوليفان – وزيراً للخارجية.
القلق المتزايد في لندن ناجم عما سبق وصدر عن المترشح بايدن، فيما يتعلق بإشكالية شمال آيرلندا في محادثات «بريكست»، حيث أكد في تغريدة على حسابه في موقع «تويتر» الشهر الماضي، أنه لن يسمح بعقد اتفاق تجاري أميركي بريطاني إذا كانت شمال آيرلندا ضحية لـ«بريكست».
قادة حملة الرئيس ترمب الانتخابية لا ينكرون حقيقة أن استبيانات الرأي العام الأخيرة محبِطة، لكنهم يؤكدون أنهم خلال الأسبوعين القادمين سيتمكنون من تجسير الهوّة، مستشهدين بما حدث في انتخابات عام 2016 قبل أسبوعين من يوم الاقتراع، حين تمكن الرئيس ترمب من تسلق الفارق في الاستبيانات، بعد أن قام مكتب التحقيقات الفيدرالية بنشر رسائل هيلاري كلينتون الإلكترونية. المعلقون يرون أن الرئيس ترمب في حاجة ماسّة، هذه المرّة، كي يتمكن من ضخ دم جديد في حملته. وتقول تقارير إعلامية إن الرئيس ترمب وبّخ وزير خارجيته مايك بومبيو، على تأخره في نشر مراسلات هيلاري كلينتون، على أمل أن تمارس نفس ما أحدثته في السابق من تأثير. كما وبّخ ترمب المحامي العام ويليام بار على تأخره في إصدار التقرير المتعلق بقيام إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بالتحقيق في احتمال وجود تعاون بين حملة ترمب عام 2016 وروسيا.
من جهة أخرى، كان هناك أمل في أن يتمكن نائب الرئيس مايك بنس، من خلال المناظرة في الأسبوع الماضي، مع نظيرته الديمقراطية السيناتورة كامالا هاريس، من تحقيق مؤشرات إيجابية خلالها تعيد لحملة الرئيس زخمها، لكنّ المناظرة على أهميتها، ورغم جهود بنس في تسجيل نقاط ضد غريمته، لم تنجح في تحقيق المطلوب. أضف إلى ذلك، أن الرئيس ترمب رفض المشاركة في الجولة الثانية من المناظرة الرئاسية، لدى علمه بأنها ستتم بالاتصال المرئي، وليست مباشرةً، حارماً نفسه بذلك، من إمكانية إلحاق الهزيمة بخصمه، وتجسير الهوّة بينهما في استبيانات الرأي العام.
ومع ذلك، ورغماً عن كل الإحباطات، يجب ألا ننسى ما يتمتع به الرئيس ترمب من مهارات في التواصل مع الناخبين، وفي قدرته على تحدي العوائق، حسبما لاحظنا من خلال ما أبداه من صلابة وتحدٍّ في مقاومة الوباء الفيروسي، وحرصه على عدم الاستسلام والرضوخ لنصائح فريقه الطبي، من خلال عودته سريعاً إلى موضعة قطار الحملة على خط سيره، ومواصلة الرحلة. كما يجب ألا ننسى كذلك، أن للانتخابات الرئاسية الأميركية خصوصيتها، وآلياتها، والأهم من ذلك مفاجآتها كما علّمتنا تجارب الماضي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة