العراق... الشيعية السياسية والانتحار جغرافيّاً

العراق... الشيعية السياسية والانتحار جغرافيّاً

الأربعاء - 13 صفر 1442 هـ - 30 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15282]

تواجه الطبقة السياسية العراقية المسلحة استحقاقاً صعباً، يطال مستقبل ما تبقى من كيان الدولة المركزية، ومن الممكن أن يضع نهاية للنظام السياسي الذي فُرض على العراقيين بعد 2003، ولكن الأخطر في هذا الاستحقاق الذي قد تفرضه واشنطن في الأيام المقبلة أنه سيعيد تشكيل العراق، وفقاً لشروط الجغرافيا والديمغرافيا التي كانت أحد أبرز مآسي العراق خلال السنوات السبعة عشرة الماضية. فعلى ما يبدو أن واشنطن تتَّجه إلى اتخاذ قرار استراتيجي سيقلب الطاولة في بغداد على الجميع، ويحوّل الوسط والجنوب إلى مناطق معزولة داخلياً وخارجياً تدار من طرف إقليمي يستخدمها إما ورقة للمقايضة أو أداة للابتزاز.
هذا المصير المحتمل يرتبط مباشرة بتلويح واشنطن بإغلاق سفارتها في بغداد، وذلك بالتزامن مع عملية إعادة انتشار عسكري، وانتقال قواتها إلى ثلاث قواعد رئيسية في كردستان والموصل والأنبار، ومما لا شك فيه أن هذا الإخلاء، إذا نُفذ، سينتزع من طهران ورقة الابتزاز التي بالغت في استخدامها بوجه واشنطن، فلعبة الاحتكاك الخشن المدروس ضد مصالح واشنطن في العراق، وتحويلها إلى أهداف مشروعة لإجبار واشنطن على مقايضة سلامة مصالحها الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية مقابل بعض المكاسب اقتربت من نهايتها.
منذ اغتيال الجنرال قاسم سليماني في بغداد، تضغط طهران من خلال فصائلها السياسية المسلحة على الحكومة العراقية، من أجل إنهاء الوجود العسكري الأميركي في العراق، وهي تتذرع بقرار اتخذه مجلس النواب في جلسة غير دستورية غابت عنها الكتلة الكردية وأغلب الكتلة السنية، وتطالب حكومة مصطفى الكاظمي بتنفيذه، لكن مع دخول الانتخابات الأميركية أسابيعها الحاسمة تصاعدت الضغوط الإيرانية ضد البعثة الدبلوماسية الأميركية، ما أدى إلى رفع مستوى الحذر عند إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، من سيناريو أمني يشبه ما جرى مع بعثتها الدبلوماسية في طهران سنة 1979، أو في ليبيا سنة 2012، الذي سيؤثر سلباً على فرص ترمب بالفوز بولاية ثانية.
سيناريو احتلال السفارة، أو خطف رعايا أميركيين في بغداد، أو الاستمرار في ترهيب السفارة عبر صواريخ الكاتيوشا، واستهداف القوافل العسكرية، دفع واشنطن إلى التلويح مجدداً باستخدام القوة ضد من يقف وراء هذه الضربات، ومطالبة حكومة الكاظمي باتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لهذه الأعمال العدائية، وإلا ستقوم بإجراءات عقابية ستؤدي إلى تغييرات جوهرية في طبيعة العلاقة ما بين واشنطن وبغداد.
فبين شروط الدولة التي على الكاظمي فرضها، ولو بالقوة، ومشاريع ما دون الدولة التي تأسست على معادلة الفوضى الدائمة، تواجه الطبقة السياسية الشيعية المُسلحة معضلة في تحديد طبيعتها السياسية بعد أن كوّنت هويتها العقائدية، فالالتزام بما تسميه المقاومة يتعارض مع طبيعة الدولة، ويفرض مواجهة بينهما، مواجهة لها تداعيات سياسية اجتماعية واقتصادية نتيجة لطبيعتها المتناقضة مع طبيعة الدولة، وتعارضها مع دورها ومسؤولياتها، ولذلك بات الاستعصاء العقائدي الذي تمارسه هذه الفصائل يشكل خطراً وجودياً ليس فقط على مستقبل الدولة المركزية في بغداد، بل على مستقبل الاجتماع الشيعي العراقي وعلى موقعه ومكانته.
منذ 2003 سعت طهران إلى مصادرة القرار الشيعي العراقي، وسمحت لها الأخطاء الأميركية بمصادرة القرار الوطني العراقي، واستطاعت على مدى سبعة عشر عاماً من استخدام ورقة العراق الموحد كأداة في صراعها مع واشنطن، لكنها اليوم تواجه مأزقاً بنيوياً في علاقتها مع من تبقى لها من قوى الشيعية السياسية، وفي علاقة هذه الفصائل فيما بينها، فإن أي تفكك للدولة المركزية العراقية سيحوّل شيعة العراق من أغلبية وطنية إلى أقلية عربية، وسينحصر امتدادهم الجغرافي بإيران التي ستحولهم إلى خوزستان آخر، ولكن تعمّه الفوضى والعنف.
عملياً يرتبط انتهاء دور بغداد السياسي بانتهاء دور الشيعة في السلطة، وانتصار لمنطق اللادولة على الدولة، والغياب النهائي للدولة سيؤدي إلى حرب أهلية شيعية شيعية وإلى محاولات فرض نفوذ وتحقيق غلبة وعملية اقتتال طويلة الأمد بين فصائل تتصارع على المكاسب والنفوذ في أرض غنية بالثروات.
وعليه فإن خسارة الجغرافيا تعني خسارة الحاضر والمستقبل، الذي بات قاب قوسين من خيار انتحاري، إذا اتخذت هذه الفصائل قرار المواجهة الذي سيحسرها ويحصرها جغرافياً، بعدما تكون قد عزلت نفسها داخلياً بمناطقها الطائفية وحصرت عمقها خارجياً بإيران. فمنذ وصولها إلى السلطة لم تستوعب هذه القوى المسلحة أهمية موقع العراق الجيوسياسي، واختزلته بجغرافيا عقائدية أدت إلى ضياع الدولة وخسارة الشيعة نتيجة هذا النهج، وبعد أن تقلَّصت فرصها قررت أن تنتحر جغرافياً.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة