دروس من أزمة «مذيعة الحجاب»

دروس من أزمة «مذيعة الحجاب»

الاثنين - 3 صفر 1442 هـ - 21 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15273]

في الأسبوع الماضي، كان الإعلام المصري على موعد مع أزمة جديدة من أزماته المتكررة، لكنها أزمة تستحق الوقوف عندها، ليس لأنها تقاطعت مع أبعاد دينية واجتماعية حساسة فقط، ولا لأن تفاعلاتها امتدت لتشغل حيزاً من الاهتمام في «الإعلام التقليدي» و«السوشيال ميديا» فقط، ولكن أيضاً لأنها استدعت بعض المعالجات الإعلامية العربية والدولية المعوجة والمغرضة.
وفي التفاصيل، أن مذيعة مصرية، تقدم برنامجاً نسوياً على إحدى الفضائيات المحلية، وتُعرف بنمط أداء حاد لطالما أثار الجدل، خاطبت من قالت إنها إحدى متابعات برنامجها من اللاتي عبرن عن رغبتهن في خلع الحجاب، بقولها: «لكل الفتيات اللواتي يرغبن في خلع الحجاب، لا تقمن بذلك. أنتن أفضل مني ومن غير المحجبة مائة ألف مرة. غير المحجبة شيطانها ونفسها أقوى من إيمانها، والمحجبة أحسن عند ربنا. ما تخليش البني أدمين اللي أقل إيماناً أو شيطانهم أقوى منهم يكونوا أقوى منك».
لقد أثارت تلك التصريحات جدلاً كبيراً بطبيعة الحال بمجرد بثها، واستنفرت ردوداً غاضبة عديدة من جانب مشاهير وناشطين وناشطات نسويات ومستخدمين عاديين لوسائط التواصل الاجتماعي، بداعي أن المذيعة «تورطت في التمييز ضد النسوة غير المحجبات، ووصفتهن بأوصاف سلبية تؤثر في مراكزهن الاجتماعية، وأنزلتهن موضعاً أدنى عبر تصنيفهن في منزلة حاطَّةٍ بالكرامة، يمكن أن تسيء إليهن وتغري بهن».
وعلى الفور، صدر قرار من جانب المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بإحالة المذيعة إلى التحقيق على خلفية ما تلقاه من شكاوى بخصوص تلك الواقعة، وقد بدا لاحقاً أن المذيعة أدركت وقوعها في الخطأ، حتى إنها ظهرت في اليوم التالي على الشاشة نفسها، لتقدم اعتذاراً للمشاهدين، قائلة: «أنا غلطت أو أفورت (بالغت) في طريقة تعبيري».
ثمة العديد من العبر التي يمكن استخلاصها من تلك الأزمة المركبة والمربكة؛ وأولى تلك العبر تتعلق بنمط الأداء السائد في برامج ما يُسمى «التوك شو» في الإعلام المصري؛ إذ يتسم هذا النمط في أغلب الأحيان بالاعتماد على وجود «مذيع نجم»، يظهر على الشاشات في موعد محدد يومياً، ويستمر، لساعات في بعض الأحيان، في توجيه حديثه للمشاهدين، وهو حديث يشمل المجالات كافة، ويلعب فيه المذيع دور القائد والموجه والمُنظر والمفكر، ويدلي بآرائه بحسم وثقة وجرأة منقطعة النظير، وهي آراء يقدمها في صورة حقائق، وقد يفرز المشاهدين خلالها كعملاء ووطنيين أو كمؤمنين وعصاة، وربما يقرر مَن منهم يستحق أن يدخل الجنة ومن منهم يجب أن يتبوأ مقعده من النار، كما فعلت تلك المذيعة نفسها.
أما العبرة الثانية فتتصل بما لاقته تلك الحصة الإعلامية المثيرة من جدل تم تأطيره بصورة مغرضة على وسائط التواصل الاجتماعي، إذ تم إطلاق «هاشتاغات» مؤيدة للمذيعة تحت عناوين مثل: «الحجاب فرض»، و«المذيعة مش غلط»، و«ادعم المذيعة التي دافعت عن الحجاب». وتحت هذه «الهاشتاغات» أمكن رصد آلاف التفاعلات، التي انطلقت من فكرة لم تكن موجودة في الواقع؛ ومفادها في الإجمال: أنه تجري محاسبة مذيعة لأنها دافعت عن الحجاب وحق المحجبات في ارتدائه، وليس لأنها أساءت إلى غير المحجبات.
وتتعلق العبرة الثالثة في هذه الأزمة الإعلامية بما فعلته شبكة «الجزيرة» وبعض وسائل الإعلام المحسوبة على قطر وتركيا، حيث عالجت تلك الوسائل القضية تحت عنوان: «التحقيق مع مذيعة مصرية لدعوتها للتمسك بالحجاب»، وكان من المؤسف كذلك أن بعض وسائل الإعلام الدولية عالجت الأزمة نفسها تحت عنوان آخر لا يخلو من المراوغة؛ مثل: «التحقيق مع مذيعة مصرية بسبب حديثها عن الحجاب».
لا يمكن تقييم ما أتت به تلك المذيعة إلا باعتباره خطأ مهنياً فادحاً ألحق أضراراً بفئة من المجتمع، وهدد السلم الاجتماعي، وهو أيضاً عَرَض لمرض أصيل في ذلك النوع من الممارسة الإعلامية يتمثل في تقديم الرأي على أنه حقيقة، وعدم الاعتماد على فرق الإعداد، أو إخضاع المحتوى للفحص والتقييم قبل تقديمه للناس.
أما تحويل الأزمة إلى كونها «حرباً رسمية ضد الحجاب» فهو افتراء وتلاعب إعلامي مزرٍ قد يكون الغرض منه واضحاً لدى منصات الإعلام التركية والقطرية، أما أن تتورط فيه وسائل إعلام دولية فهو أمر يثير دهشة وتساؤلات.
«السوشيال ميديا» من جانبها لم تُظهر القدر الواجب من الرشد المطلوب، بل سارعت إلى صب الزيت على النار، عبر تحويل الأمر إلى ما يشبه معركة دينية، مما ينذر بمخاطر كبيرة.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة