التخلّي عن التلقين ليس سهلاً

التخلّي عن التلقين ليس سهلاً

الأربعاء - 15 محرم 1442 هـ - 02 سبتمبر 2020 مـ رقم العدد [15254]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

لا أغالي لو قلت إنَّ جميع من دعوا لتطوير التعليم المدرسي، متفقون على نقطة واحدة في الحد الأدنى، وهي التخلّي عن أسلوب «التلقين» واعتماد التعليم التفاعلي، حيث يمسي الطالب شريكاً في تشكيل موضوع الدرس. لكنّي أيضاً أزعم أنَّ غالبية المعلمين المؤمنين بهذه الفكرة لا يطبقونها أبداً.
فكرة التخلي عن «التلقين» ترجع إلى 30 عاماً على الأقل. وقد كتب عنها عدد من وزراء التربية ووكلائهم، قبل تولي مناصبهم أو بعد تقاعدهم؛ مما يؤكد قناعتهم بالفكرة. لكننا رغم مرور تلك المدة الطويلة، لا نزال مشغولين بمناقشة الموضوع، ونشعر أنَّه لم ينضج بعد. أليست هذه مفارقة محيرة؟
أعلم أنَّ نظام التعليم العام قد تطور بشكل ملموس خلال العقد الحالي. كما أعلم أنَّ المعلمين باتوا أكثر كفاءة واستيعاباً لمناهج التعليم الحديث، وما تنطوي عليه من تحديات.
لكنْ دعنا نطرق زاوية، ربما لم يلتفت إليها أكثر الناس، أو لم يرغبوا في نقاشها. وهي تشكل التحدي الأهم في التعليم التفاعلي، أعني بها ما ينتج منه من بروز لفردانية الطالب واستقلاله.
بيان ذلك: لو سألني معلمٌ عن محور التعليم التفاعلي وجوهره، لقلت إنَّه استثارة ذهن الطالب وتشجيعه على أنْ يفكر، أي أنْ يرتكب الأخطاء من دون خوف. وهذا بدوره يعزز فردانية الطالب واستقلاله، وسوف أعود في مقال لاحق لشرح العلاقة بين التعليم وارتكاب الأخطاء، لكن لنركز الآن على نقطة الاستقلال والفردانية:
تبرز فردانية الشاب حين يعتاد على البحث والتجريب بنفسه. سيقوده البحث إلى عوالم وآراء جديدة، وسيتصل بمحيط اجتماعي - ثقافي، وراء المحيط المحمي بأعراف الجماعة، أي أنَّه سيعيد تكوين هويته واكتشاف ذاته المستقلة والمختلفة عن أبيه ومعلمه، بل عموم الجيل الذي يتوقع من الأبناء أن يكونوا «مطيعين» وملتزمين الآداب والأعراف المتوارثة.
التعامل مع هذا التحدي أمر مقلق حقاً للآباء والمعلمين، ومن يوازيهم في المرتبة أو الدور. نحن ننظر إلى نظام التعليم المدرسي كامتداد للتنشئة العائلية. ونفكر في أبنائنا كامتداد مادي وثقافي لأشخاصنا، وننزعج أشد الانزعاج إذا سمعنا أنهم تباعدوا عنا، في تفكيرهم أو سلوكياتهم أو التزامهم أعراف الجماعة وتقاليدها، بل حتى لو لبسوا أزياء غير ما اعتدنا لبسه.
في المقابل، فإنَّ الغرض الأول للتعليم المدرسي، هو إعداد الجيل الجديد لزمن مختلف وتحديات مختلفة. ولهذا أحتاج إلى معلمين محترفين. نحن نرى هذا كل يوم في حديث الناس، عن عدم التواؤم بين ما يسمونه «مخرجات التعليم» وحاجات سوق العمل. إنّي أخالف هذه الفكرة. لكن تكرارها على ألسن الناس، يؤكد قناعتهم بأنَّ على المدرسة أنْ تؤديَ دوراً مختلفاً عن ذلك الذي يؤديه الأبوان في المنزل. نحن إذن أمام تعارض جدي بين إرادتين تنشطان في اتجاهين متعاكسين: إرادة تريد أنْ يكون الأبناء استمراراً للآباء وتاريخهم، وإرادة تريد قطع الحبل السري الذي يشدهم إلى هذا التاريخ، كي يكونوا جزءاً من مستقبل مختلف.
السؤال الذي يجب طرحه هنا: إلى أي درجة يودُّ المعلم أنْ يرى طلابه مستقلين عنه ومتحررين من توجيهه؟ وإلى أي حد يسمح الآباء لأبنائهم بالاستقلال، في ثقافتهم وسلوكهم وما يتبنّونه من قيم؟
وأخيراً، وهذا هو الأكثر جدية في نظري: هل تريد الإدارة الرسمية القائمة على التعليم بلوغ هذه النقطة، أم أنَّ حديثها عن «التعليم التفاعلي» ينصرف إلى المعنى التقني فحسب؟


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة