توفيق السيف
كاتب سعودي حاصل على الدكتوراه في علم السياسة. مهتم بالتنمية السياسية، والفلسفة السياسية، وتجديد الفكر الديني، وحقوق الإنسان. ألف العديد من الكتب منها: «نظرية السلطة في الفقه الشيعي»، و«حدود الديمقراطية الدينية»، و«سجالات الدين والتغيير في المجتمع السعودي»، و«عصر التحولات».
TT

اكتساح أدمغة الطلاب

سمعت القصة التالية من شابة تتحدَّث في برنامج وثائقي، عن تاريخ الكومبيوتر. وخلاصة القصة أنَّها كانت في المرحلة الثانوية، يوم طلبت مدرستها بحثاً في 1000 كلمة عن الذاكرة العشوائية للحاسب، التي تسمى اختصاراً «رام». وأخبرتهم أنَّ تقديم بحث متقن، يعني النجاح القطعي في مادة الحاسب للفصل الدراسي بأكمله. تقول الشابة إنَّها سألت زملاءها ثم أباها وأمها، فاكتشفت أنَّهم جميعاً لا يعرفون شيئاً عن الرام، مع أنَّهم يستعملون الكومبيوتر في البيت والعمل أو المدرسة.
على ضوء هذا الإخفاق، وضعت جدولاً يحوي 50 سؤالاً، وبدأت في القراءة بحثاً عن أجوبة، كما راسلت بعض الخبراء. واستغرق هذا العمل نحو شهر، قدمت في نهايته موجزاً من 1000 كلمة، وشرحاً عليها في نحو 6000 كلمة. ومن ضمن ما احتواه الشرح، مقترحات لمنع خسارة البيانات، حين يحصل تذبذب في الطاقة.
تقول هذه الشابة، إنَّ موضوع الـ«رام» بات شغلها الشاغل طيلة العقد التالي، وإنَّها ركَّزت عليه خلال دراستها الجامعية في مرحلتي البكالوريوس والماجستير. وهي اليوم من أبرز الخبراء في هذا المجال. سألها المذيع: لماذا أحبَّت أن تروي القصة؟ فقالت إنَّها تحوي جوهر فكرة التعليم التي لا يعرفها أغلب الآباء. ولو عرفوها لعلموا أولادهم فوق ما يحصلون عليه في المدرسة.
الفكرة ببساطة، أنَّ المعلمة كانت تريد إثارة فضولهم للمعرفة. كانت تريدهم ألا يمروا بشيء من دون التوقف عنده والتأمل فيه. وكانت تخبرهم أن العباقرة لا يملكون أدمغة أكبر من سائر الناس، لكن ميزتهم هي الفضول والتخيل. بداية العبقرية هي الالتفات إلى كل شيء حولك. الفرد العادي لا يلتفت للأشياء البسيطة المألوفة.
نحن – في العادة – نهتم بالأشياء الغريبة فقط، بل ربما نمعن النظر فيها. لكن، لأنَّنا عودنا عقولنا على عدم التفكير في الأشياء، فإنَّ التفاتنا يكون انطباعياً إحساسياً، أي أنَّه لا يتضمن «تفكيراً» في الشيء، بل يقتصر على التفاعل العاطفي.
دعني أقترح على أعزائي المعلمين فكرة مماثلة: اسألوا طلابكم عن التفاصيل الفنية لمكيفات الهواء في بيوتهم: اسألوهم عن موديل المكيف وسنة صنعه والشركة التي صنعته، وكفاءة استهلاكه للطاقة وعدد الوحدات الحرارية والمساحة التي يشغلها، والمساحة التي يخدمها، ومعنى المصطلحات السابقة، وكيفية الحصول على خيارات أفضل... الخ. اسألوهم عن سياراتهم: كيف يقيسون قوتها ومعنى أن تكون 200 حصان أو أقل أو أكثر، والفرق بين السيارة الكهربائية والعادية، وكم يكلف اقتناء السيارة حتى نهاية عمرها الفني. هذه الأسئلة ستثير عقولهم وتجعلهم يفكرون كثيراً كلما مروا بواحدة، وستجعلهم يقرأون حولها، وإذا كان ثمة من يواصل إرشادهم، فقد يكونون ممن يقدم أفكاراً جديدة في عالم المكائن والسيارات، في قادم الأيام.
احتمل أن أكثر أبنائنا لا يعرف غير «ماركة» السيارة. وهم يمرون بها وبالثلاجة والمكيف وجدار البيت والباب والهاتف والطاولة والكتاب والمصباح، لكنها لا تثير فضولهم ولا تدفعهم للتأمل فيها؛ لأنَّ التفكير والتأمل في المسلّمات والعاديات ليس عادة دارجة في ثقافتنا، مع أن مساءلة المسلمات وتفكيكها (أي التفكير فيها) هي أهم تجليات العقل المبدع.
من أراد التمييز بين أهل الذكر والغافلين، فليتوقف الآن عند أي شيء يمر عليه، وليتأمل فيه، وليفكر فيما تراه عينه وما تخفيه «لأنَّ العين ترى أشياء ثم تخفيها عنك». عندئذ سيكتشف الفارق بين الذاكرين والغافلين.