لو كان للعلم قيمة حقاً...

لو كان للعلم قيمة حقاً...

الأربعاء - 16 ذو الحجة 1441 هـ - 05 أغسطس 2020 مـ رقم العدد [15226]
توفيق السيف
كاتب ومفكر سعودي

في هذه الأيام لم يعد الناس مهتمين بالجدالات القديمة حول علاقة الدين بالعلم. لكن هذا لم يكن الحال على الدوام. ولعل بعض القراء (كبار السن خاصة) يذكرون الحماسة التي أثارها نشر كتب مثل «الإسلام يتحدى» لوحيد الدين خان، و«العلم يدعو للإيمان» لكريس موريسون، و«مع الله في السماء» لأحمد زكي، و«الطب محراب الإيمان» لخالص جلبي، والعشرات من أمثالها، خلال عقد السبعينات من القرن العشرين. وكان جميعها يحاول إثبات أن الإسلام يحترم العلم ويقر بدوره في الحياة.
لكن يبدو أن المسألة بقيت في حدود الدفاع والتبرير، ولم تتجاوزه إلى المرحلة التالية، أي سؤال: إذا كان الدين يعطي للعلم هذا المكان الرفيع، فهل يأخذ الدين نفسه بنتائج البحث العلمي فيطبقها على نفسه؟
والحقيقة أن هذا السؤال بقي على الدوام موجهاً إلى أهل الإسلام، من عامة الناس والدعاة والفقهاء. فثمة من يقول لهم: لو صح هذا الكلام الفخم، لتحول العلم الحديث (ونتاج العقل الإنساني عموماً) إلى عنصر أساسي في تصنيع الفكرة الدينية، أعني الفتوى والسلوكيات والتوجهات والمتبنَّيات الحياتية ككل. ولو كان الكلام جاداً لكان لأهل العلوم (المصنفة خارج إطار الدين) ذات المكانة التي يحظى بها الفقيه، ولكان لرأيهم ذات القيمة، ليس عند عامة الناس، بل عند الفقهاء، لأن عالم الاقتصاد مثلاً أعلم من الفقيه في مجاله، ومن هنا يتوجب على الفقيه أن يرجع إليه ويطيعه، بنفس الدليل الذي يُوجب رجوع عامة الناس إلى الفقيه في المسائل الفقهية. لا يوجد دليل يُلزم عامة الناس بالعودة إلى الفقيه في أمورهم الشرعية، سوى الدليل العقلي القائل بلزوم رجوع الجاهل إلى العالِم إذا احتاج إلى العلم. إذا كنا نؤمن حقاً بأن للعلم مكانة رفيعة في الدين، فيجب أن تظهر آثارها هنا، قبل أي مكان آخر.
أعلم أن مدارس العلم الديني تقاوم «بشدة» فكرة تحديث المنهج الدراسي، أو الإقرار بأي دور مركزي لغير العلوم التي جرى، منذ زمن طويل، تثبيتها كمقدمات لفهم النص الشرعي والتأهل للاجتهاد والفتوى. وأبرز هذه العلوم هو التفسير وعلوم القرآن واللغة العربية والمنطق والحديث (الدراية) والرجال (الجرح والتعديل). هذه العلوم تعد مغذّية وخادمة لعلم أصول الفقه الذي يمثل محور البحث العلمي في تلك المدارس.
لقد تطورت أدوات فهم النص، بفضل تقدم نظرية المعرفة والتأويل الفلسفي، فقد وفّر كل منهما مناهج جديدة، تتيح التوصل إلى رؤى مختلفة تماماً عما توصل إليه الأسلاف، وتحقق المبدأ القائل بقابلية النص القرآني لعبور الزمن.
نعلم أيضاً أن قضايا عديدة تعلقت بها أحكام وإجماعات، قد تغيرت في الواقع، مع أنها ما زالت على حالها في كتب التراث ونصوصه. ومنها مثلاً اعتبار المصارف ربوية، بناءً على فهم قديم فحواه أن الفائدة المشروطة هي مناط الوصف والحكم. ومنها أيضاً تحريم التعاملات المصنفة ضمن السوق المستقبلية، لقولهم بجهالة أطراف البيع وموضوعه. ومنه كذلك تحريم تقلد النساء وظائف الولايات، وحرمة السفر إلى بلاد الكفار والقانون الدولي. ومنه قضايا الدولة الوطنية وعلاقة أهل الوطن بعضهم ببعض، فضلاً عن إغفال مفهوم «الحق» بصورة عامة في البحث الفقهي والفكر الديني ككل.
إنني مؤمن بأن العلم ونتاج العقل الإنساني عموماً، ينبغي أن يكون حاكماً على حياة الإنسان. وعندي أن هذا يلبّي أمر الله بالتعلم والعودة إلى أهل العلم. هذا واحد من معاني دين النخبة، مع أنه يجعل مصدر العلم الديني واسعاً جداً، بل أقرب إلى دين العامة، كما أشرنا في مقال الأسبوع المنصرم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة