لبنان بين التحيز والحياد

لبنان بين التحيز والحياد

الثلاثاء - 8 ذو الحجة 1441 هـ - 28 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15218]
حسين شبكشي
اعلاميّ ورجل اعمال سعوديّ وعضو مجلس ادارة شركة شبكشي للتّنميّة والتّجارة وعضو مجلس ادارة مؤسّسة عُكاظ للصّحافة والنّشر

أحدثت دعوة رأس الكنيسة المارونية في لبنان البطريرك بشارة الراعي، إلى «الحياد» في السياسة اللبنانية، موجة كبرى من التفاعلات السياسية، كونها كما قرأها كثيرون عملياً إسقاطاً للغطاء السياسي الماروني الممنوح عن طريق الرئيس ميشال عون وحزبه «التيار الوطني الحر» لصالح تنظيم «حزب الله» الإرهابي ومشروعه السياسي المثير للجدل.
جاءت دعوة البطريرك الراعي، مع مرور مائة عام على إعلان «لبنان الكبير» الذي كان مشروعاً ساهمت البطريركية المارونية في قيامه بالأساس. ومنذ انطلاقته كمشروع للتعايش والدولة الديمقراطية المدنية، شهد لبنان صراعاً على هويته، ولكن البارز واللافت أن الصراعات البينية الأخطر كانت داخل الدائرة المسيحية المارونية نفسها. وكُتب عن تلك المسألة المعقدة عديد من الكتب والمؤلفات لتحليل ما حصل، كان من أهمها كتاب «حرب الألف سنة: حتى آخر مسيحي» للكاتب الأميركي جوناثان راندال، الذي سلط الضوء على المعارك الدموية بين الفصائل المسيحية، وكيف أن هذه المعارك هي بقايا صراع الهوية المتصارع عليها في داخل الوجدان الماروني نفسه، بين تيار كان يؤمن بالتحالف مع إسرائيل على حساب محيطه العربي، في مقابل جزء مهم من الطائفة المسيحية عموماً، والموارنة تحديداً، كان يعتقد بعكس ذلك الأمر تماماً، ويركز على ضرورة الحفاظ على الهوية العربية للبنان، والبقاء على مكانته المميزة ثقافياً داخل المحيط العربي.
هذا الصراع الوجودي أظهره بشكل واضح وجلي الكاتب الفرنسي ريشار لابيفيير في كتابه الملحمي «مجزرة إهدن: أو لعنة العرب المسيحيين» التي يصف فيها الحال بـأن «العقدة المسيحية، بين حلفاء إسرائيل والعرب المسيحيين المنادين بانتمائهم الكامل والتام للعالم العربي، ضاقت أكثر». ويضيف الكاتب أن هناك تجسيداً حقيقياً لمواقف وطنية يدحض مقولة ما يسمى بصدام الحضارات الذي يسعى إلى تأجيج المواجهة بين الشرق والغرب. وليس مستغرباً الانشغال المسيحي الفاتيكاني بلبنان، إذ إن اسمه ورد في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد 70 مرة، كما ورد ذكر «أرز لبنان» 75 مرة، ومدينة صور 59 مرة، وصيدا 50 مرة، وذكرت كذلك 35 قرية لبنانية، و10 مناطق لبنانية، و10 شخصيات لرجال ونساء من لبنان.
وفي كتابه القيم «هذا الجسر العتيق: سقوط لبنان المسيحي 1920 - 2020» يطرح الكاتب اللبناني الكندي كمال ديب مجموعة من الأسئلة حول الدور المسيحي في السياسة اللبنانية، فهو يعتبر أن لبنان المسيحي «سقط» في 1976، ودوره «انتهى» في 1990.
وإذا كان هناك فريق من المؤرخين ينسبون الفضل إلى المسيحيين الموارنة في إطلاق مشروع «لبنان الكبير»، وخروجه بهويته من القمقم التركي، ومن ثم إنجاز الاستقلال من الانتداب الفرنسي؛ فإن الفريق نفسه يلومهم أيضاً على الموافقة على إدخال المقاومة الفلسطينية إلى لبنان، وبعد ذلك قامت المارونية السياسية نفسها بدعوة النظام السوري للسيطرة على البلد. واليوم المارونية السياسية نفسها هي التي شرعنت الوجود الرسمي لميليشيا خارجة عن القانون تعمل لصالح نظام معادٍ للدول العربية التي عرفت تقليدياً بصداقتها ودعمها للبنان.
المشكلة التي لا يدركها اللبنانيون أن الحياد ليس بكافٍ، وأن الحياد السلبي هو ضعف وهوان، وهو الذي مكَّن «حزب الله» وإسرائيل من قبله من الإمساك بزمام الأمور. الأمل أن يكون هناك «انحياز متطرف» لصالح مشروع «لبنان الكبير»، وألا يسمح لفريق بأن يوجه سهامه من خلاله لمحيط لبنان، فإيران - كما إسرائيل من قبلها - تشكل خطراً حقيقياً، وفي بعض الأحيان وجودياً على لبنان نفسه، وأصدقائه من الدول العربية.
خطوة طلب «الحياد» في السياسة اللبنانية هي خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح، ولكن يبقى التحدي في انضمام كافة الكتل المسيحية إليها. ريمون إده: «خواجة» السياسة اللبنانية، وصفه ذات يوم ميشال أبو جودة، صاحب العمود الأشهر بصحيفة «النهار»، بـ«ضمير لبنان». في سرد له عن أحوال لبنان بمنفاه في باريس قال: «الحق على الموارنة، شارل حلو جلب الفلسطينيين، وجلب بيار الجميل السوريين، وجلب كميل شمعون الإسرائيليين على لبنان»، يا ترى لو كان بيننا اليوم كيف كان ليصف «العهد القوي»؟ أصدقاء لبنان لن يعودوا إليه في ظل وجود غطاء سياسي لمشروع عدائي ينطلق ضدهم من أراضيه.
إذا كانت فرنسا بالنسبة إلى الموارنة هي «الأم الحنون»، فمن الواضح أنه - بالنسبة للفريق الحاكم - استبدلت بها إيران «زوجة الأب اللئيمة»!
من الذي تخلى عن مشروع «لبنان الكبير»، وأعاد انتداباً جديداً من نوع مختلف، نوع طائفي ودموي لا يقبل التعايش مع الآخر؟ سؤال مطلوب الإجابة عنه من اللبنانيين أنفسهم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة