الكاظمي في السعودية... المغزى والرسالة!

الكاظمي في السعودية... المغزى والرسالة!

السبت - 27 ذو القعدة 1441 هـ - 18 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15208]

بعد غدٍ (الاثنين) يحل السيد مصطفى الكاظمي رئيس وزراء العراق ضيفاً على السعودية، وهي أول زيارة رسمية له منذ توليه منصبه. اختيار السيد الكاظمي السعودية أول محطة خارجية له في جولته لها دلالة ورمزية واضحة، تتمثل في أهمية العلاقة الاستراتيجية مع الرياض، وتكريس فكرة العودة للحضن العربي.
المتابع يلمس الحفاوة والترحيب والتفاؤل بزيارة السيد الكاظمي المهمة التي تأتي تقديراً لدور السعودية ووقوفها بجانب العراق، ورسالة تأكيد بأن العراق متمسك بهويته وعروبته، وأن الرياض وبغداد ترفضان سياسة المحاور، وأي تدخلات خارجية في الشأن العربي بدليل أن العلاقة التاريخية ما بين البلدين لطالما وقفت في وجه المتربصين ومن حاولوا الاصطياد في الماء العكر لأسباب حزبية وسياسية وآيديولوجية.
ما يمكن قوله هنا أنه انطلاقاً من السياسات التي ينتهجها السيد الكاظمي فضلاً عن تصريحاته ومواقفه المعلنة فإنها خلقت بلا أدنى شك مناخاً مغايراً؛ فزيارة كهذه تُعد إضافة مهمة ودافعاً لمستقبل مشرق كونها تبني على ما سبق من تفاهمات وترتيبات مع القيادات السابقة كالعبادي وعبد المهدي، حيث سيتم توقيع الكثير من الاتفاقيات الاقتصادية وفتح المنافذ الحدودية للتبادل التجاري؛ ما يؤكد أن المملكة ليست لها مصلحة في العراق سوى استقراره وتحقيق تطلعات شعبه.
السعودية والعراق يرتبطان بحدود طويلة تصل إلى 900 كلم، وهما موقنان أن الإرهاب عدو مشترك للبلدين؛ ما يتطلب التعاون والتنسيق وتبادل المعلومات. هناك حاجة أيضاً إلى التعاون والمراقبة الدائمة لمنع أي نشاطات إجرامية، كعصابات وشبكات تهريب الأسلحة والمخدرات؛ ولذا فالتعاون ما بين الرياض وبغداد في تقديري هو مطلب حتمي، فأمن العراق من أمن السعودية والعكس صحيح، وتعافي العراق بات ضرورة استراتيجية لاستقرار الإقليم.
زيارة الكاظمي ستعكس جواً من التفاؤل والإيجابية، ولعلها إرهاص لما هو قادم، حيث لن تقتصر على التعاون الثنائي، بل ستدفع ربما باتجاه إمكانية عودة عمود فقري لنظام إقليمي عربي قادر على مواجهة المشاريع التي تحاك في منطقتنا.
الكاظمي أيضاً سيقوم لاحقاً بزيارة إيران والولايات المتحدة، وهذا أمر طبيعي لأن لديه رسائل للبلدين؛ فاستقلالية القرار العراقي واحترام سيادته هو شعار المرحلة الراهنة، والمؤشرات الأولى لحكم الكاظمي بلا مواربة تعزز هذا الاتجاه. بعض الأصوات النشاز التي ما زالت تمارس حبكاتها تقول إنه يحمل رسائل من طهران إلى واشنطن مع أن الكاظمي رجل مستقل معني بمصلحة العراق وليس مبعوثاً لإيران، أو بالأصح هو ليس المالكي.
ليس سراً أن العراق عانى ما بعد الانسحاب الأميركي، حيث لم تضع واشنطن آنذاك رؤية لعراق ما بعد صدام، حيث استغلت بعض القوى ذلك الفراغ؛ ما فتح الباب لتدخل قوى إقليمية لصالح أحزاب مدعومة منها والتي ساهمت بإخراج العراق عنوة من محيطه العربي. هناك أربعة مستويات للتدخل الإيراني، تتمثل في التواصل مع القادة الدينيين والعلمانيين، ومع المسؤولين الحكوميين واختراقها المؤسسات الحكومية، فضلاً عن اختراقها الجيش والأجهزة الأمنية، وذلك بإنشاء خلايا مخابراتية، ناهيك عن تقديم معونات وإقامة مشاريع في المناطق الشيعية. وقد نجحت الاستراتيجية الإيرانية كما يبدو في إبقاء اللاعبين السياسيين ضمن دائرتها.
ذكرت كوندوليزا رايس في مذكراتها أنها أخبرت نوري المالكي بامتعاض العرب السنّة من استبعاده أبناءهم من الانخراط في الجيش والمؤسسات الأمنية، فأجابها «أنا لا أطيق العرب ولا أثق بهم». هذه العقلية تكشف وبامتياز عن حقيقة الخلل في بنيتها. المسألة ليست استهدافاً شخصياً بقدر ما أن استغلال المالكي لمنصبه آنذاك أضر بمصالح العراق وأزّم علاقاته بدول الجوار.
الآمال معقودة على حكومة الكاظمي وبالعمل المؤسساتي في أن يصار إلى عدم السماح لإيران من الهيمنة على القرار السياسي وترسيخ نظام سياسي غير طائفي، وإلغاء الميليشيات، وتشكيل الجيش على أساس عقيدة وطنية جامعة. هذه نقاط رسوخ لمستقبل دولة تملك من المقومات ما يجعلها في الصدارة؛ فدقة المرحلة تقتضي من العراقيين أن يُغلبوا مصلحة العراق على المصالح الفئوية، وأن يكون قراره مستقلاً وليس مرهوناً لأحد.
السعودية لن تألوَ جهداً في المساهمة بأي دور بناء وإيجابي يدفع باتجاه تعزيز أمن العراق واستقراره، وتتفهم كل التعقيدات في التركيبة العراقية، ومع ذلك نقول إنه من حق بغداد أن تكون لها علاقات جيدة مع أي دولة، وهو حق مشروع وسيادي، لكن يجب ألا يتم على حساب العلاقة مع دول الخليج. ليس مهماً البحث عن خلفيات وأسباب تأثر العلاقة ما بين البلدين في مراحل سابقة بقدر ما أن المهم هو كيفية الاستفادة من هكذا زيارة والبناء عليها لخدمة مصالح البلدين والشعبين. الزيارة هي خطوة للأمام وتطور إيجابي على صعيد العلاقات لتجاوز إخفاقات الماضي، ورغم أن هناك أطرافاً وأشخاصاً داخل العراق لا يميلون للتقارب السعودي – العراقي؛ لأنه في اعتقادهم يمثل تهديداً للمصالح الإيرانية في العراق، إلا أن مصلحة بغداد والرياض أهم وأبقى؛ لأنها تعزز حماية الأمن القومي العربي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة