عندما نعود أطفالا!

عندما نعود أطفالا!

الاثنين - 16 صفر 1436 هـ - 08 ديسمبر 2014 مـ رقم العدد [13159]
طارق الشناوي
كاتب مصري

ماذا تفعل وأنت تشاهد فيلما قديما عنوانه «سلفني 3 جنيه»، من بطولة علي الكسار؟ أزمة البطل أنه يحتاج إلى تلك الجنيهات القليلة لإنقاذ حياة أسرته المعرضة للتشرد والضياع. هل تستخف بالحدث فتدير ظهرك للفيلم، أم أنك تعود بالزمن أكثر من 80 عاما فتشعر بالفعل بأنها مأساة تهدد حياة البطل الذي لا يستطيع تجميع هذا المبلغ الضخم بمقياس تلك السنوات في نهاية الثلاثينات؟
ما الذي تشعر به وأنت تشاهد 90 في المائة من الأفلام التي أنتجت قبل عصر الجوال والـ«فيسبوك» و«تويتر» وغيرها، وبسبب سوء الفهم وعدم توافر وسائل الاتصال الفورية تنتهي قصة الحب إلى فراق أبدي؟
الذي يحدث غالبا في مثل هذه الأفلام وغيرها هو أننا نعيد ضبط المؤشر العقلي على موجة الزمن الذي ينقله لنا الفيلم، فنجد أن الثلاثة جنيهات رقما معتبرا يستعصي على البطل تجميعه في أيام قلائل، وأن الخطاب الذي لم يصل مع ساعي البريد في الوقت المناسب غير تماما حياة الأبطال من النعيم إلى الشقاء.
هذا هو ما يفعله العقل لضبط الموجة، كما أن المشاعر تلعب أيضا دورا في أفلام أخرى نتكئ فيها على صفاء قلوبنا حتى نتعايش معها على الشاشة. أحدثكم عن مهرجان «أجيال» الذي انتهت مؤخرا أحداثه في الدوحة بطبعته الثانية، أغلب أفلامه تخاطب الأطفال سواء بالرسوم المتحركة أو في حبكتها الدرامية، ورغم ذلك فلقد استمتعت بها لأننا أيضا ندير المؤشر الداخلي ونضبط مشاعرنا على نقاء الطفولة.
المهرجان يقدم أفلاما صالحة لكل الأعمار، ومن هنا جاء العنوان «أجيال»، التي تعني أن الكل يشارك في المشاهدة والتقييم، وأغلب الأفلام صالحة لكل الأعمار.
لجان التحكيم الثلاث استلهمت العنوان من مراحل تطور القمر، الذي يبدأ محاقا ثم هلالا، وأخيرا يأتي اكتماله بدر. الأولى في المرحلة العمرية من 8 إلى 12، والثانية من 13 إلى 17، والثالثة من 18 إلى 21. والمقصود بالطبع أن تلك الأفلام يستطيع المحكمون استيعابها والاستمتاع بها، والحكم عليها.
كان المهرجان فرصة لا تعوض لكي أتواصل مع تلك النوعيات التي لا ترحب بها عادة المهرجانات الأخرى. كثيرا ما ضبطت نفسي أثناء المهرجان وأنا أعيد توجيه موجة مشاعري حتى أتواصل معها. عندما أشاهد مثلا الفيلم الدنماركي «الولد النملة» وهو يستوحي الفكرة من الأفلام التي شاهدها الكبار مثل «الرجل الوطواط» أو «الرجل العنكبوت»، يبدو أن اختيار النملة لم يكن عشوائيا، لأننا بقدر ما نشعر بنفور من الوطواط أو العنكبوت فإن مشاعرنا أيضا بها قدر من التعاطف والإيجابية مع عالم النمل.
قدم الفيلم تفاصيل علمية عن حياة النملة، التي مثلا تستطيع أن تحمل 50 ضعف وزنها، وأن نوعا محددا فقط من النمل يجيد الطيران.. ولم يغفل الرسالة المضمرة أن القوة يجب أن تستخدم فقط في الخير.
وبحالة من الشجن، شاهدت الفيلم الآيرلندي «أغنية البحر»، عندما يقع البحار في عشق عروس البحر التي تجمع بين خصائص الإنسان والأسماك، وتنجب له طفلا بشريا وطفلة تجمع بين صفات البشر وكائنات البحار. ونجد الأم في بداية الأحداث تغادر عالم البشر، حتى تتمكن من إنجاب طفلتها لتعيش في البحر، وتسكننا حالة من الشجن النبيل لا تغادرنا حتى اللحظة الأخيرة، حيث يُصبح التواصل فقط من خلال قوقعة تُقدم موسيقى تتجاوب معها الأم في أعماق البحر. وينتهي الفيلم بابتسامة ممزوجة بدمعة، لا ندركها إلا عندما نعود أطفالا!!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة