أميركا: الثورة المعاكسة... الأغنياء والمتميزون

أميركا: الثورة المعاكسة... الأغنياء والمتميزون

الخميس - 18 ذو القعدة 1441 هـ - 09 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15199]
نوح سميث
كاتب في «بلومبيرغ»

سيخبرك الكثير من الناس أن جذور الاضطرابات التي اجتاحت الولايات المتحدة تنبع من عدم المساواة التي أثارت استياء 99 في المائة من الشعب. لكن ماذا لو لم يكن الأمر بهذه البساطة، أي أنَّ هناك معركة مهمة تستحق النظر إليها تدور رحاها بين فئة واحد في المائة المتبقية من الشعب.
لا شك أنَّ الناس يبدون غاضبين، فوفق استطلاع أجرته مؤسسة «بياو» البحثية مؤخراً، فإن 78 في المائة من الأميركيين غير راضين عن الطريقة التي تسير بها الأمور في البلاد. فالعداء الحزبي يتصاعد منذ عقود وقد بلغ الآن ذروته مع انتشار الخطاب المثير للفتنة في «تويتر» وفي غيره من منصات التواصل الاجتماعي. فقد اندلعت الاحتجاجات الأخيرة على الصعيد الوطني ضد وحشية الشرطة والعنصرية لتصبح من أكبر الاحتجاجات وأكثرها انتشاراً في تاريخ البلاد. ويعتبر صعود دونالد ترمب، الزعيم الأكثر استقطاباً وتعصباً والأقل خبرة من نظرائه في تاريخ البلاد، في حد ذاته دليلا لدى البعض على تدهور الاستقرار الوطني.
وفي هذا الصدد، طرح المؤرخ بيتر تورشين، الذي يعتقد أن نوبة اضطرابات تحدث كل نصف قرن أو نحو ذلك، نظرية تفسر الأحداث العاصفة التي تمر بها البلاد. يرى المؤرخ المعروف أن المشكلة الأساسية تكمن في المنافسة بين النخب. فمع وجود المزيد من الثروة الموروثة والمزيد من الأشخاص الذين حصلوا على أعلى الدرجات العلمية، على حد قوله، هناك المزيد من المطالبين بالمناصب في المستويات العليا من السياسة والأعمال وغيرها من التسلسلات الهرمية الاجتماعية. ومع وجود الكثير من الأشخاص الذين سيخسرون في المنافسات الشرسة المتزايدة، لا بد أن يكون هناك غضب وخيبة أمل على نطاق واسع.
تبدو هذه النظرية التي تركز على النخبة غير كافية، إذ إن هناك الكثيرين من الطبقة العاملة يتظاهرون في الشوارع ويصوتون للساسة من ذوي الآراء المتطرفة. لكن المتعلمين الغاضبين والأغنياء يمثلون عنصر دعم لأي ثورة، نظراً لما لديهم من مواهب وموارد لإثارة الفوضى والقيام بثورة أكثر من غيرهم. وفي نهاية المطاف، فإنهم هم من يوفرون التمويل ويصوغون رسائل التطرف والعنف المنظمين.
أثارت نظرية تورشين قلقاً بالغاً لأن عدد نقاط النخبة قد تقلص في العقود الأخيرة نتيجة للتغيرات التكنولوجية والاقتصادية، وباتت الثروة والدخل مركزين بشكل متزايد في الجزء العلوي من هرم التوزيع، حيث بات الدخل والثروة في الولايات المتحدة مركزين بشكل متزايد في النخبة الأعلى التي تمثل واحداً في المائة من السكان.
في عام 1990 لم يكن هناك سوى 99 مليارديراً في الولايات المتحدة والآن هناك أكثر من 600 ملياردير... وحتى مع احتساب التضخم، فإن هذه الزيادة تعتبر هائلة في المستويات العليا للثروة. فمع ارتفاع نسب عدم المساواة في قمة الهرم، فإن ما يعتبر معايير النجاح ترتفع وفقاً لذلك. بمعنى آخر، فإن امتلاك 10 ملايين دولار في البنك لم يعد أمراً يحظى بالاحترام السابق عندما تبلغ ثروة مارك زوكربيرغ، مؤسس «فيسبوك»، 8000 ضعف هذا الرقم.
كما أن التغييرات الهيكلية في الاقتصاد تجعل من الصعب الوصول إلى المستوى الأعلى. ففي مجموعة واسعة من الصناعات، تحصل بعض الشركات الكبرى على حصص أكبر في السوق. قد يكون هذا لأن هذه الشركات تكدس المواهب والملكية الفكرية لأن الإنترنت قد وسع من قدرة الشركات العملاقة على النفاذ لأي مكان، ولأن تأثيرات الإنترنت أصبحت أكثر شيوعاً، ناهيك عن أسباب أخرى. وبغض النظر عن السبب، يبدو أن سياسة «الفائز يحصد كل شيء» هي التي تهيمن على الأسواق. ويعنى هذا أن بعض رجال الأعمال الطموحين سيصبحون زوكربيرغ آخر، فيما سيجز الباقون على أسنانهم.
تلك الحالة لن تقتصر على عالم الأعمال وحده حيث يصبح تحقيق نجاح بمستوى عالٍ أقل قابلية للتحقيق. إذا فكرت في الأوساط الأكاديمية، فستجد أن الكثير من الشباب المتعلمين الطموحين لا يحلمون بالثروة، ولكن بالاحترام الفكري الذي يصاحب درجة الأستاذية. لكن نهاية التوسع في منتصف القرن العشرين في نظام الجامعات الأميركية، جنباً إلى جنب مع التراجع الأخير في تمويل الدولة للكليات، يعني أنه حتى المناصب الجامعية الرفيعة قد أخذت في التقلص هي الأخرى، وبات الحصول على منصب رفيع في جامعة أميركية مهمة صعبة.
حدث ذلك مع ارتفاع أعداد الحاصلين على درجة الدكتوراه بنسب تخطت 50 في المائة منذ عام 1990 لذلك فإن الشباب الأكثر ذكاءً يرون أن أحلامهم في حقل البحث العلمي تتداعى، بحيث لا تتخطى درجة محاضر أو مساعد محاضر.
يتكرر هذا النمط نفسه في مهنة المحاماة والسياسة، حيث لم يواكب حجم الكونغرس النمو السكاني. ويُطلب من الشباب الأذكياء والطموحين التنافس بقوة أكبر رغم ضآلة فرص النجاح.
الخطر الذي يأتي بعد ذلك هو أن جميع الطامحين المحبطين يقررون أن النظام نفسه هو المشكلة ويقررون الإطاحة به. فالإفراط في المنافسة يكون خطيراً عندما يقترن بعامل آخر هو تباطؤ النمو. يمكن أن تؤدي فترة الازدهار الطويلة - مثل الفترة من عام 1985 إلى عام 2008 - إلى خلق توقعات عالية تتحول إلى مذاق مر في أفواه الشباب، عندما يتلاشى النمو وتتلاشى معه الأحلام بسبب التباطؤ الاقتصادي.
كيف يمكن للولايات المتحدة أن تعكس الاتجاه نحو الإفراط في المنافسة بين النخبة؟
إن زيادة عدد مناصب النخبة أمر صعب للغاية، ولذلك فإن الحل يكمن في تعديل التوقعات. ففرض ضرائب على الميراث سيقلل بشكل كبير من عدد الشباب الذين يشعرون بأنهم يستحقون ثروة عظيمة. وتقليل أعداد الحاصلين على درجة الدكتوراه سيقلل من أعداد الباحثين المحبطين الذين فشلوا في تحقيق الحصول على منصب جامعي. ويمكن للضرائب المفروضة على الثروات الضخمة أن تخفض التوقعات إلى مستويات أكثر معقولية، مما يجعل الأشخاص الذين لديهم 10 ملايين دولار يشعرون بالثراء مرة أخرى.
يعتقد تورشين أن خفض مستوى عدم المساواة يساعد في تفسير سبب أن الاضطرابات في الستينات والسبعينات كانت في النهاية محدودة، ولا تهدد سلامة الأمة. لقد فات الأوان بالنسبة للولايات المتحدة لتجنب الفترة الحالية من الاضطرابات، لكن من شأن تسوية الملعب وتغيير التوقعات أن يخلقا بداية مبكرة لتقليل مخاطر المرحلة التالية.


* بالاتفاق مع «بلومبرغ»


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة