بلابل اللغة

بلابل اللغة

الأحد - 14 ذو القعدة 1441 هـ - 05 يوليو 2020 مـ رقم العدد [15195]
إنعام كجه جي
صحافيّة وروائيّة عراقيّة.

سمعته يقول: «انضربت بوري» فلم أفهم ما يقصد. كنت عائدة إلى بغداد بعد غياب ولم أتوقع أنني سأصادف مفردات ومصطلحات جديدة فرضتها مرحلة التحولات العنيفة. ثم عرفت أن معنى العبارة هو أن صاحبها تعرّض لعملية نصب وخديعة. وأذكر أنني كتبت، حينها، تقريراً في هذه الصحيفة عن لغة جديدة في الشارع العراقي. هل هناك لغة تبقى حيّة دون أن تطوّع قوانينها لاستقبال مفردات مستحدثة؟
كنت أقرأ بالأمس جرداً بالكلمات التي دخلت على اللغة الفرنسية خلال السنوات العشر الأخيرة. إن الفرنسيين غيورون على لغتهم ولديهم أكاديمية مؤلفة من أربعين مقاتلاً يقفون ليل نهار في حراستها. الويل لمن يلوي لسانه أو يستعير تعبيراً من لغات أخرى. مع هذا أضافت الأكاديمية الفرنسية 20 ألف مفردة جديدة إلى الطبعة التاسعة والأخيرة من معجمها. ووضعت الطبعات كلها على الشبكة الإلكترونية في خدمة من يحب. يرتعب حراس الفرنسية من الغزو الذي تشنّه الإنجليزية، لغة الجار اللدود على الضفة الثانية من البحر. يحرسون وتسخر الأقدار. فلم تعد لغة شكسبير هي وحدها ما يهدد لغة موليير، بل لغة قحطان وعدنان. والحديث هنا ليس عن مئات الكلمات ذات الأصل العربي الموجودة في اللغات اللاتينية، بل عن تلك الوافدة حديثاً إلى المعاجم الفرنسية: جهاد. انتفاضة. طاجن. فدائي. تبولة. مقام. «داعش». كيف. كحل. ريّس. قائد. شيشة...
نقرأ في «سفر التكوين» أن الغضب الإلهي وقع على سكان بابل فبلبل ألسنتهم. كانوا يتكلمون لغة واحدة فصاروا متعددي الألسن لا يتفاهمون فيما بينهم. وبعد قرون من تلك الحادثة صار التبلبل عالمياً. لم تعد هناك دولة أحادية اللغة. وفي الهند وحدها أكثر من 400 لسان. وفي عام 1835 أنشأ الشيخ رفاعة الطهطاوي مدرسة للمترجمين في مصر، صار اسمها بعد ذلك «مدرسة الألسن». لسانك الأول هو لغتك الأم. وبعدها خذ ما تشاء من خالات وعمّات.
جاءت الشبكة الإلكترونية وجرجرت وراءها وسائل شتى للتواصل الاجتماعي. ظهرت مصطلحات إنجليزية فرضت نفسها على كل الشعوب. نزلت إلى مكتباتنا مطبوعات لتعريب تلك المصطلحات. عرفنا أن الكومبيوتر هو الحاسوب. لكن ما كان يمكن حبس الألسنة وردعها عن استخدام مصطلحات تقنية يتفاهم بها مواطنو العالم. ضاعت صرخات أعضاء الأكاديمية الفرنسية في وادٍ عميق. أو كما نقول بلهجتنا العراقية بدت تحذيراتهم مثل «ضرطة في سوق الصفافير». وها نحن نحاول أن نلحق بأبنائنا وبناتنا وهم في حركة مكوكية ما بين «التشات» و«التويت» و«الإنستغرام». وكلما ارتفع منسوب «الاستغراب اللغوي» زاد قلق الجهات المحلية وكثرت مشاريع حماية اللغة. كيف نجعل أبناءنا يحبون العربية، ويتمسكون بالقراءة بها، إلى جانب لغات أخرى؟ علينا أن نتعلم الكتابة بلغة لا تنفّرهم منها.
نشأنا على التحذير من «الغزو الثقافي» الغربي. الأميركي بالتحديد. واليوم نفهم أن الغزو ليس في اللغة فحسب، بل في القيم والقناعات. ليس من السهل على أي غازٍ أن يخترق وجدانك إذا كنت متصالحاً مع قيمك وثقافتك. ترتاح لها وتؤمن بصوابها. والمشكلة هي في تخلخل منظومة القيم والأخلاق. صواب قليل وفحش كثير. تضيع الطاسة وتتزحلق أجيال في حمّام السوق المفتوحة لكل صابون. ويوم غنى أحمد عدوية «السح الدح امبو» قامت عليه الدنيا لأنه يعبث باللغة التي نفهم. يطلق بلابلها من أقفاصها. ثم شاع السحيح والدحيح ولم يعد من عزاء للسيدات ولا للسادة في الأكاديمية الفرنسية وغيرها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة