«عقدة النقص» العربية واليابانية

«عقدة النقص» العربية واليابانية

الثلاثاء - 10 ذو القعدة 1441 هـ - 30 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15190]

يقول أكيرا تاناكا البروفسور في التاريخ الياباني الحديث في جامعة هوكايدو إن اليابانيين كانوا يعيشون «عقدة النقص» أمام التقدم الصيني والضغوطات الغربية وما لمسوه من تقدم الغرب عند مجيئهم لبلادهم. وهذا ما دفعهم عام 1871 للاتجاه غرباً ليفهموا كيف بلغت أوروبا وأميركا وبريطانيا ذلك التقدم. فانطلقت بعثة «أيواكورا» الشهيرة لتقصي «كل شيء في الغرب بما في ذلك السياسة، والاقتصاد، والشؤون العسكرية، والصناعة، والاجتماع، والثقافة، والفكر» ثم أعدت البعثة تقريراً بلغ مائة مجلد نشرت في عام 1878 وكانت تضم بين دفتيها كل مشاهدات البعثة فيما يتعلق بالمدارس الغربية، والمصانع، والجيوش، والبرلمانات، وحتى السجون وبيوت البغاء!
ولم يطبق اليابانيون كل شيء من الغرب في بلادهم، بل انتقوا ما يناسب عاداتهم وتقاليدهم. فهم فعلاً طبقوا مقولة يوكيتشي فوكوزاوا (1835 - 1901) «دع آسيا وادخل أوروبا» لكنهم لم يتناسوا تقاليدهم اليابانية. وليكونوا صورة أدق حرصوا أيضاً على زيارة البلدان الصغيرة القريبة من وضع بلادهم. وزاروا لاحقاً القاهرة كما قيل.
هذه البعثة اليابانية الخالدة لم تكن على طريقة وفودنا العربية الشكلية التي ما إن يعود الوفد حتى ينسى الهدف الذي سافر من أجله! نحن كعرب شرعنا منذ زمن في الابتعاث التعليمي لكننا تركنا ذلك نابعاً من مبادرات فردية. ولم نسمع عن بعثة حقيقية تجمع كل شيء بتفاصيله، حتى لا نعيد اكتشاف العجلة، أو نكرر محاولات التجربة والخطأ البدائية. فاليابانيون أمضوا 22 شهراً في التمحيص والتنقيب عما يمكن أن ينقلوه إلى ديارهم.
ونحن بحاجة إلى أن نحدد ما هي نقاط قوتنا، ومواردنا ورؤيتنا كمؤسسة وكدولة، ثم نبني عليها خطة استراتيجية جادة تأخذنا نحو نهضة شاملة، لتنويع مصادر الدخل، وتحقيق الاستدامة، والإصلاح الإداري، وتقوية الاقتصاد، ورفع مستوى التعليم والصحة وغيرها.
ولحسن الحظ فإن جائحة فيروس «كورونا» التاجي هي فرصة عظيمة للإصلاح، ولن أقول ثورة لأنني لم أعد أطيق هذا المصطلح بعد الخراب الذي حل محل «ثورات». وهو ما يؤمن به اليابانيون، على ما يبدو، حيث يرفضون تسمية ما حدث لديهم بـ«الثورة»، بل يعتبرون ذلك «خليطاً من التقاليد والإصلاح». فقد نجحت اليابان، وهي أصغر مساحة من كاليفورنيا في أن يشار إليها بالبنان، بعدما كان يشار إليها بعقدة النقص.
والمتأمل في حال منطقتنا يجدها قد خاضت حروباً خارجية وأهلية طاحنة، وعشرات الثورات، والانقلابات، والاجتياحات العسكرية، فضلاً عن الاضطرابات الداخلية ولم نسمع عن نموذج من هذه البلدان أحدث تغييراً جذرياً مضاداً يرسم مستقبلاً واعداً، على الصعيد الصناعي، والاقتصادي، والتعليمي، والطبي، والإنساني وغيرها. ولحسن الحظ فإن الناس تميل نحو قبول التغيير الجذري عندما يعقب الأزمات الكبرى، وهي فرصة سانحة لنعيد شيئاً من مجدنا.
ويقول بروفسور التاريخ الياباني الحديث في جامعة هوكايدو في كتاب «خفايا المعجزة اليابانية»: «إن تاريخ التحديث الياباني منذ عهد المييجي لا يزال يقرره التفاعل بين عقدتين؛ عقدة النقص أمام الغربيين وعقدة التفوق أمام الآسيويين». انتهى كلامه. بمعنى أنهم استخدموا العقدة بصورة إيجابية. ولا يبدو أن أمة اليابان بعيدة عنا، فنحن كذلك نعاني من عقدة مجد أسلافنا العرب، وعقدة تقدم الآخرين، وعدم مقدرتنا على اللحاق بهم إلا من رحم الله من البلدان التي استثمرت جزءاً لابأس به من خيراتها في تنمية أوطانها ومواطنيها.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة