دول النيل وأزمة سد النهضة

دول النيل وأزمة سد النهضة

السبت - 28 شوال 1441 هـ - 20 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15180]
د. جبريل العبيدي
كاتب وباحث ليبي

«إذا انخفض منسوب النهر فليهرع كل جنود الفرعون ولا يعودوا إلا بعد تحرير النيل مما يقيّد جريانه» عبارة منقوشة على جدران معبد حورس، بينما وزارة الخارجية المصرية تقول: «لن يتم التهاون في حق الشعب المصري في هذه القضية، وسنقوم بحمايتها بكل الوسائل المتاحة».
فمن حق دول حوض النيل حماية حقها في النيل، الذي ارتبط في العالم بمصر، ولا أحد يذكر إثيوبيا رغم أنها بلد المنبع، وهذا لأن «مصر هبة النيل» كما وصفها هيردوت، فلا يمكن ذكر النيل من دون ذكر مصر.
سد النهضة أو سد الألفية الكبير (Grand Ethiopian Renaissance Dam) هو سد إثيوبي يقع على النيل الأزرق بولاية بنيشنقول - قماز، والاتفاقيات لتقاسم مياه النيل عام 1902، نصَّت على عدم إقامة أي مشروعات سواءٌ على النيل الأزرق أو بحيرة تانا ونهر السوباط، وهذه الاتفاقية تتضمن إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل، وأنَّ لمصر الحق في الاعتراض في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده، فسد النهضة الإثيوبي كلّف نحو أربعة مليارات دولار منها 1.8 مليار دولار أميركي يقال إن التمويل فيها من البنوك الصينية، رغم وجود شبهات بتمويل إسرائيلي، ورغم نفي الأخيرة بشدة، فإن الربط بين زيارة بنيامين نتنياهو لإثيوبيا في عام 2016 بالتزامن مع افتتاح المرحلة الأولى لسد النهضة زاد من حجم التكهنات. إضافة إلى أن تصريحات إثيوبية بشأن الشراكة بين إسرائيل وإثيوبيا في إدارة الكهرباء الإثيوبية، خصوصاً أن سد النهضة هو أكبر مشروع مائي لإنتاج الكهرباء، وهذا أسال لعاب نتنياهو إذ قال: «إسرائيل ستدعم أديس أبابا، لتتمكن إثيوبيا من الاستفادة من مواردها المائية».
إعلان إثيوبيا استعدادها لملء السد بشكل أحادي يفاقم الأزمة ويدفعها في طريق مسدود، خصوصاً في ظل التعنت بشأن الاستمرار في بناء السد وملئه من دون التشاور مع دول حوض النيل كما تنص الاتفاقيات، والمماطلة وترحيل الأزمة من اجتماع لآخر ومن مكان لغيره، الهدف منها كسب الوقت لاستكمال البناء وملء الخزان ووضع مصر والسودان في حكم الأمر الواقع وفرضه، وهذا السلوك مهدد للأمن الإقليمي، فبيان وزارة خارجية إثيوبيا الذي وصف قرار الجامعة العربية عن سد النهضة الإثيوبي بـ«القرار الأعمى» يعد هو الآخر خروجاً عن اللياقة الدبلوماسية في التعاطي مع الأزمة، بينما الخارجية المصرية ترى أن «النهج الإثيوبي يدل على نية في ممارسة الهيمنة على نهر النيل، وتنصيب نفسها كمستفيد أوحد».
تأثير السد على دول المصب يتمثل في انخفاض توافر المياه، نظراً لفترة ملء الخزان وانخفاض دائم بسبب التبخر من خزان المياه، وبالتالي سيؤدي إلى خفض دائم في منسوب المياه في بحيرة ناصر.
ما تقوم به السلطات الإثيوبية يعد استفزازاً غير محسوب العواقب والمخاطر، فهناك لعب بالماء والأمن المائي.
المفاوضات الأخيرة وصلت إلى طريق مسدود، بسبب التعنت الإثيوبي بشأن تعبئة خزان التجميع، بينما كانت الدول الثلاث قد توصلت الشهر الماضي إلى اتفاق مبدئي على أن عملية ملء السد ينبغي أن تتم على مراحل في أثناء موسم الأمطار، ولكن إثيوبيا نكثت الاتفاق، خصوصاً أن السعة التخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب، وهي مساوية تقريباً لحصتي مصر والسودان السنوية من مياه النيل.
الموقف الإثيوبي يحاول وضع مصر والسودان أمام خيارين؛ إما التوقيع على وثيقة تجعل من إثيوبيا صاحبة الإرادة العليا، وإما أن تكونا في مواجهة ملء سد النهضة كأمر واقع.
حل أزمة سد النهضة لا بد أن يكون تفاوضياً، وأي تلميحات لاستخدام الخيار العسكري من أي طرف سوف تعقِّد الأزمة ولا تقدم حلاً، كما أن التعنت الإثيوبي والإعلان عن عزمها البدء في ملء السد في يوليو (تموز) يضع العصا بين دواليب العربة، ويعرقل فرص الحل السلمي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة