«الجائحة» التي سخرت منّا

«الجائحة» التي سخرت منّا

الثلاثاء - 24 شوال 1441 هـ - 16 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15176]
داود الفرحان
كاتب عراقي

بلا أي شك ما يحدث في العالم براً وبحراً وجواً تحت لافتة «كورونا» كابوسٌ أطاح بآلاف من شركات النقل البري والبحري والجوي. وسمعت من تاجر بطيخ مصري أنه لم يستطع تصدير بطيخة واحدة إلى الخارج في هذا الموسم بسبب توقف حركة النقل، بعد أن كان البطيخ المصري يتصدر متاجر أوروبا والخليج العربي. وطبعاً فإن توقف التصدير شمل كل أنواع الخضر والفواكه والأسماك والأثاث وصناعات كثيرة. وحال مصر لا يختلف عن غيرها من الدول المتقدمة أو المتأخرة. فالفيروس المتوحش لم يصب البشرية فقط، لكنه «خنق» الدول والمجتمعات وعطل عجلات التنمية والعلاقات الدولية ومعظم مرافق الحياة، بما في ذلك استوديوهات السينما الأميركية التي لم تتوقف، حتى في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وقرأنا في الصحف أن هوليوود تستعد لاستئناف أنشطتها السينمائية والتلفزيونية على مراحل، لأن معظم الدول أغلقت دور السينما والمسارح والمصايف، وأوقفت مهرجانات السينما السنوية.
لقد وضعت الحياة «كمامة» على وجهها، وعلينا أن نعتاد ذلك حتى لو توقفت سيارات الإسعاف عن نقل المصابين إلى المستشفيات والمحاجر الصحية. لا أحد يستطيع أن يتوقع نهاية قريبة لوباء «كورونا»، وما دمنا نتحدث عن الطيران، وهو الشريان الأهم في الاقتصاد العالمي والتبادل التجاري والحركة السياحية، فإن شركة «طيران الإمارات» وهي واحدة من أكبر وأهم الخطوط الجوية العالمية، ترجح على لسان رئيسها تيم كلارك أن شبكة وجهاتها العالمية ستعود كما كانت خلال 4 سنوات.
وعلينا أن نتحفظ على عبارة «كما كانت» لأنه لا شيء سيكون بعد «كورونا» مثلما كان قبلها، لا قطاع النقل الجوي ولا أي قطاع آخر، من الطب إلى السياحة إلى الاقتصاد إلى التعليم إلى الوظائف، وصولاً إلى السياسة والحدود الدولية. فما حدث خلال الأشهر الأربعة الأخيرة أعاد العالم 4 قرون إلى الوراء؛ الأجواء والبحار والطرق والفنادق والمطاعم والمقاهي والجامعات والمدارس والمؤسسات والأسواق كلها خالية وخاوية. وبعد أن كانت الدول الكبرى تتحدث عن استعمار المريخ صارت تبحث عن أفضل وأسرع الوسائل لصناعة الكمامات! «زلزال» لم يسبق له مثيل، كاد يقوض كل ما حققته البشرية ويعيدنا إلى العصر الحجري.
كنا نصف «كورونا» بالوباء. فطلع علينا المتبحرون في اللغة بكلمة «جائحة»، واختار آخرون توصيفات من نوع «أزمة» أو «كارثة» أو «مصيبة» أو «مأساة». ووصفوا الحلول بأنها «موجعة ومؤلمة». رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون الذي أصيب بـ«كورونا» ونجا من الموت بأعجوبة هو الوحيد الذي وصف الحالة بأنها «أفقدتنا أحبابنا». وهو أمر يذكرنا بأغنية فريد الأطرش «أحبابنا يا عين».
العمر الافتراضي للطائرات، وهو موضوع هذا المقال، يتراوح بين 25 و30 عاماً، وتصبح بعد ذلك غير آمنة. لكن هذا الأمر في بعض شركات الطيران المتخلفة ليس دستوراً، ولذلك نراها تستخدم طائرات نقل ما زالت في الخدمة منذ نصف قرن أو أكثر!
بالصدفة، اكتشفتُ وجود مزادات على الإنترنت لبيع طائرات ركاب وبواخر مستعملة من مختلف الأنواع والأحجام وفي حالات جيدة. ولو امتد بنا العمر فسنقرأ إعلانات عن مزايدات لبيع أقمار صناعية وكبسولات فضائية ومركبات زارت القمر أو المريخ وعادت سالمة.
وكنا قد شاهدنا في التلفزيون قبل أكثر من ربع قرن في مسلسل «لن أعيش في جلباب أبي» النجم الراحل نور الشريف في دور تاجر «الخردة» عبد الغفور البرعي الذي اشترى طائرة مستعملة وفكّكها وباعها «حتة حتة» لباعة قطع الغيار! وفي حينه ضحكنا من حكاية تفكيك الطائرات وبيعها عن طريق تجار «الروبابيكيا»، أي الأثاث والأدوات المستعملة، إلى أن علمنا أنه يتم تقطيع الطائرات، التي انتهى عمرها الافتراضي أو سقطت خلال طيرانها، في مزادات علنية في مختلف أنحاء العالم. وذكر أحد الخبراء أن «سكراب» الطائرات تجارة مربحة للغاية وتدرّ ملايين الدولارات على التجار. إلا أن الطريف في هذه التجارة أن شركات الإنتاج السينمائي الكبرى في هوليوود تشارك في المزادات لشراء هذه الطائرات واستخدامها في أفلام «الأكشن»، وهي تشتري أيضاً قطارات وبواخر مستعملة.
أكثر دولة تبيع الطائرات المستعملة هي الولايات المتحدة في القطاعين المدني والعسكري، وفيها أكبر مقبرة خاصة للطائرات القديمة التي لم تجد من يشتريها أو خرجت من الخدمة، تبلغ مساحتها 2600 فدان، وتقع في مدينة توسان في ولاية أريزونا، ومعظم قبورها لطائرات عسكرية. وكذلك في مطار فيكتورفيل في ولاية كاليفورنيا الذي يضم مئات الطائرات المدنية القديمة. وفي حالة عدم بيع الطائرات المستهلكة يتم تفكيكها وبيع الأجزاء المهمة، ثم يجري سحق ما يتبقى من الهياكل لتدويره في صناعات أخرى.
أما أكثر الدول التي تشتري طائرات مستعملة فهي الدول الأفريقية، وبعض جمهوريات أميركا اللاتينية والاتحاد السوفياتي الملغى. وكان من حظنا أن طائرة أفريقية قديمة استأجرها العراق لنقل الوفد الرسمي برئاسة نائب رئيس الجمهورية الراحل طه ياسين رمضان، عائدين إلى بغداد من المؤتمر الثالث عشر لرؤساء دول وحكومات حركة عدم الانحياز الذي عقد في كوالالمبور عاصمة ماليزيا في فبراير (شباط) 2003. قبل حرب احتلال العراق بأسابيع قليلة. كانت الطائرة تتأرجح بنا على ارتفاع 30 ألف قدم، وتصدر أبوابها أصواتاً غريبة، ولاحظنا حبالاً تربط أرجل بعض الكراسي حتى لا تتحرك! وحين هبطت الطائرة بنا في مطار دمشق، تبادلنا الحمد لله على سلامتنا، ونحن نستعد بعد أيام لحرب «الصدمة والرعب»! مثل هذه الطائرة تنتشر في المطارات الأفريقية، وكلها مشتراة من مزادات الطائرات العتيقة.
كانت الخطوط الجوية العراقية أهدت أمانة بغداد في السبعينات من القرن الماضي إحدى طائراتها الخارجة من الخدمة، فحوّلتها إلى مطعم سياحي فاخر في حديقة الزوراء. وهذه الفكرة موجودة أيضاً في الصين وتركيا والولايات المتحدة وسوريا ودول أخرى. وبعض الطائرات القديمة تُهدى إلى المتاحف أو إلى القوات الخاصة في الجيش وأجهزة الإنقاذ الجوي والإطفاء للتدريب عليها. وكل الطائرات التي تنفجر في أفلام هوليوود هي من هذا النوع. وفي الثمانينات من القرن الماضي كانت إحدى طائرات «بوينغ» اليمنية في رحلة شحن بين عدن ودمشق، وقبل أن تهبط تجاوزت المجال الجوي الإسرائيلي، فتعرضت لرصاص تحذير من قوات الدفاع الجوي الإسرائيلي، إلا أن الطائرة استطاعت الهرب والهبوط في دمشق، وكان هذا آخر هبوط لها حيث اشتراها أحد التجار السوريين وحوّلها إلى مطعم فاخر في حي «باب توما» في دمشق القديمة.
لكن رجل أعمال سويدياً حوّل طائرة «بوينغ 747» إلى فندق في موقف سيارات تابع لمطار أرلاندا في استوكهولم، يضم 25 غرفة وجناحاً واحداً هو قُمرة القيادة. وفي إثيوبيا، حوّل أحد رجال الأعمال طائرة «بوينغ 737» إلى فندق ومطعم يتسع لـ60 فرداً، وتقام فيه حفلات أعراس وأعياد ميلاد. واشترت سيدة عجوز أميركية طائرة «بوينغ 727» بمبلغ 30 ألف دولار فقط، وحوّلتها إلى قصر فاخر، لكنها استخدمته بعد ذلك كفندق سياحي. وفي روسيا، تم تحويل طائرة قديمة إلى روضة أطفال، مع تجهيزها بالألعاب والمعدات التعليمية. وفي روسيا أيضاً، قام رجال أعمال روس بشراء حاملة طائرات سوفياتية متقاعدة، وحوّلوها إلى فندق 5 نجوم.
أما أغرب من ذلك كله، فهو قيام السلطات الحكومية التركية بإغراق طائرة «إيرباص» في بحر إيجة لتشجيع سياحة الغطس، وتكوين شعاب مرجانية صناعية ومأوى للأسماك وبعض الكائنات البحرية. دول «بطرانة»، ودول لا تستطيع شراء «توك توك»، ودول لا تستطيع تصدير بطيخة واحدة!


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة