هل نحن مهوسون بصورتنا في الخارج؟

هل نحن مهوسون بصورتنا في الخارج؟

الأحد - 15 شوال 1441 هـ - 07 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15167]
محمد فهد الحارثي
إعلامي سعودي

«أنا لا أكذبُ ولكن أتجمّل» قصة للروائي إحسان عبد القدوس، وتحولت لفيلم سينمائي، تعكس هذه العبارة واقع الرسالة الإعلامية وإشكاليتها. ودائماً ما تطرح قضية صورتنا في الخارج، وتستحوذ هذه القضية على اهتمامات كثيرين يرونها قضية مصيرية. وبعض الدول تخصص ميزانيات كبيرة من أجل تمويل أجهزة إعلام خارجي بهدف تقديم صورة إيجابية عن الدولة في الخارج.
والاهتمام بالصورة الخارجية أمر طبيعي ومشروع، ولكن أن يتحول إلى شاغل أساسي وعامل مؤثر، فهنا يصبح الأمر مبالغاً فيه. فالإعلام بطبيعته يميل إلى الأخبار السلبية، ولذلك لا نتوقع أن الإعلام سيكون مسالماً معنا. وفي الحقيقة يجب أن نعترف أن لدينا حساسية مبالغ فيها تجاه ما يكتب في الإعلام الخارجي. فوجود مقال أو محتوى سلبي لا يتطلب منا رد فعل وتأويله بأكبر من حجمه. فعدد الأخبار السلبية عن دول العالم كبير، وفي نهاية الأمر هي أخبار ومواضيع لا تتوقف عندها عجلة الحياة، فالمرونة والتسامي والثقة بذاتنا، تحجّم من تأثير هذه الأخبار، وأهميتها. حتى في ظل وجود من يخطط لتشويش الصورة وتحريف الحقائق.
فما يهم هو الواقع ذاته، هل هو مرضٍ لنا. وإذا كانت هناك من ثغرات، فالأولى أن نعالجها بدلاً من الدفاع عنها. وطالما هناك مشروع نمضي فيه، وندرك مراميه وأهدافه، فهذا مربط الفرس. ما يهمنا هو الشيء الفعلي، لأنَّ الوسيلة الإعلامية نفسها التي تنتقد وتهاجم سيأتي يوم تمتدح الإنجاز. فمن الصعب إخفاء الحقائق للأبد. فنجاح الإعلام الخارجي يبدأ حينما يكون شعورك مرتاحاً، وأنت تنظر لنفسك في المرآة.
ومصطلح الإعلام الخارجي نفسه يحتاج إلى مراجعة، فلم يعد هناك مع الثورة المعلوماتية خط فاصل بين ما هو داخلي وخارجي، فحدث محلي سيجذب تغطية إعلامية عالمية، إذا كان هناك ما يستحق في الخبر. وهذه التغيرات التي حدثت في صناعة الإعلام لم تستوعبها المؤسسات الرسمية التي ما زالت تراهن على دور شركات العلاقات العامة من منظور عدد النشرات التي توزعها وأخبار النفي والتوضيح.
الاهتمام بالإعلام الخارجي لم يعد قضية للدول بمفهومها التقليدي، فقد تطورت هذه المفاهيم، ليكون الهدف هو خلق الصورة النمطية للدولة، وهذه المهمة تتجاوز قطاع إدارة الإعلام الخارجي، بل إن الإعلام يصبح جزءاً من منظومة متكاملة تسعى لهدف صناعة صورة أو ماركة في مخيلة الناس. أي أن الدول أصبحت، وهذا تجاوزاً للتشبيه، لها علامة تجارية، وتتكامل كل الهيئات والشركات ومؤسسات المجتمع المدني لترسيخ هذه الصورة.
والدول الآن تتنافس في بناء هذه الصورة، ليس فقط لتحسين السمعة، بل لأن هذا يرتبط بانعكاسات اقتصادية وسياسية واجتماعية للدولة. وأصبح مصطلح القوة الناعمة رائجاً في أدبيات العمل السياسي. وبرزت جهات مختلفة متخصصة في التصنيفات الدولية لتحديد أكثر الدول نجاحاً في القوة الناعمة.
وهذا يعنى أن مسؤولية بناء العلامة أو السمة الدولية ليست مهمة إعلامية فحسب، بل هو عمل تكاملي رسمي وشعبي وفق خريطة طريق واضحة. فالدول، حتى الكبيرة، أدركت أهمية هذا المشروع، فالحكومة البريطانية عملت على خطة في 2014 لتفعيل القوة الناعمة لبريطانيا. وعلى المستوى الإقليمي، بادرت دولة الإمارات في 2017 بإطلاق مجلس القوة الناعمة، وحددت فيها استراتيجية شاملة يتشارك فيها القطاع الحكومي والخاص.
والسعودية من الدول التي تمتلك إمكانات كثيرة لصنع صورة إيجابية، فعدا كونها دولة مؤثرة ومهمة من الناحية السياسية والاقتصادية، فهي لديها الأماكن المقدسة، وتاريخ غني ومتنوع، وجاليات تعيش وتعمل على أرضها تتجاوز 10 ملايين. وهناك مئات الألوف من الطلبة السعوديين في الخارج وأضعاف هذا العدد من السياح السعوديين سنوياً. وفي الداخل تتخذ خطوات مهمة في تشجيع الحراك الثقافي والانفتاح الاجتماعي والمشاريع العملاقة.
وهذه وغيرها من العوامل تعطي لها أرضية لتبوء مركز مهم في خارطة الدول المؤثرة في القوة الناعمة، أو ما يسميها الزميل الدكتور سعود كاتب «كاريزما الدولة». غير أن التغيرات التي حدثت في صناعة الإعلام بدلت من خارطة اللاعبين الرئيسيين في هذه الصناعة، وأثرت على مفهوم القوة الناعمة. وأصبح، كما يقول الكاتب نيكولاي أنجلوف، نشر الرسالة خارج سيطرة القوى التقليدية في الإعلام التي اعتدنا عليها، وبالتالي أصبحت محاور الإعلام الجديد لاعباً مهماً في الخطاب السياسي اليوم. وهذه التغيرات فرصة للسعوديين الذين باتوا يملكون قوة مؤثرة في منصات الإعلام الجديد.
والإعلام الدولي لا يستسيغ حقنه بسيل من المعلومات، بل ما يطلبه هو فتح المجال له لصناعة المحتوى الذي يراه مناسباً. وأذكر في منتدى الإعلام السعودي، الذي عقد في الرياض العام الماضي، وحضره مئات الصحافيين من وسائل إعلامية عالمية وإقليمية، وكان معظمهم يزورون السعودية لأول مرة. وقد فوجئوا بواقع مخالف للصورة الذهنية التي لديهم. كما عبروا عن إعجابهم بالجيل السعودي الجديد الذي كان بالآلاف من الشباب والشابات تعج بهم قاعات المنتدى. ويقول جورج مالبرونو من جريدة «لو فيغارو» الفرنسية، «لم يخطر ببالي أن أشاهد كل هذه الأعداد الغفيرة من الشباب المهتمين بالإعلام في السعودية، لقد تفاجأت. بالفعل إنها سعودية جديدة».
وكان ضمن البرنامج الذي عمل لضيوف المنتدى حضور عشاء في «بوليفارد الرياض»، الذي نظمته مشكورة هيئة الترفيه. وكتب كثير من الضيوف عن تجربتهم وإعجابهم بالتغيير الذي لمسوه بالفعل من رؤيتهم واحتكاكهم مع الناس مباشرة.
المغزى أن هناك الكثير مما يستحق الاحتفاء به، فالعمل الإنساني السعودي جزء من طبيعة المجتمع. فعلى سبيل المثال، مشروع مركز الملك سلمان للإغاثة ترجمة حقيقية لمفهوم التكافل وإغاثة الملهوف، ومشروع مثل «مسام» الذي تتبناه الحكومة السعودية لإزالة الألغام التي زرعها الحوثيون في الأراضي اليمنية، ربما لو عملته دولة أخرى لصنعت منه دعاية مفرطة، في حين أن السعوديين يمارسونه كجزء من أخلاقهم ومسؤوليتهم الإنسانية.
القضية ليست تجاهل الصورة في الخارج، بل بالعكس هو أن نعمل ما نعتقد أنه صحيح، بغض النظر عن تعليق الآخرين. لكن من جانبنا لا بد من تشجيع الذهنية والبيئة المنفتحة، ورفع مستوى الحوار والشفافية وهامش الاختلاف. وإدراك الفرق المهم بين الشوفينية والوطنية. ولصنع التأثير، فهذا يتطلب تفعيل الأدوات الكامنة من وسائل إعلامية ومواقع وبوابات إلكترونية ومهرجانات ومنتديات وتبادل ثقافي ومتحدثين رسميين ودبلوماسية شعبية وفضاء واسع لنشاط مؤسسات المجتمع المدني.
فالإشكالية في الصورة النمطية، ليس في أن تصنع صورة وهمية، أو أن تكذب. بل هو عدم ترك الفراغ المعرفي، فعندها يلجأ الناس إلى ملء هذا الفراغ من خلال أي معلومات مبتورة أو مشوهة. فنحن جميلون نحتاج أن نتكلم.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة