مكيافيلية الغنوشي في طور الانهيار!

مكيافيلية الغنوشي في طور الانهيار!

السبت - 14 شوال 1441 هـ - 06 يونيو 2020 مـ رقم العدد [15166]

يبدو أن السيل بلغ الزبى في تونس، وإلا لما شاهدنا تلك الانتفاضة البرلمانية اللافتة، وتلك المحاكمة العلنية بحق رئيس البرلمان، من قبل نواب وطنيين وضعوا مصلحة بلادهم في المقام الأول، متعهدين إزاحته من موقعه.
التونسيون بطبيعة الحال هم أدرى بشعابهم، ولسنا في وارد أن نفتي هنا، وهم الأقدر على توصيف ما يجري في بلادهم، بما في ذلك انتقاد الغنوشي وأفعاله. ومع ذلك نعتقد أنه من حقنا أن ندلو بدلونا في هذه المسألة؛ لأننا معنيون ولا نشخصن الأمور؛ بل لكونه تجاوز دوره السياسي وتأثيره الحيز التونسي ليصبح إقليمياً، وباتت تبعات تصريحاته ومبادراته تمثل خطراً على أمن بعض الدول واستقرارها؛ حيث تدخل الرجل في ملفات عديدة، وغلَّب علاقته مع قطر وتركيا على المصلحة الوطنية، وأصبح انتماؤه الآيديولوجي العابر للقارات مهدداً لأمن بلاده القومي، ناهيك عن دول أخرى تجرِّم هذا التنظيم.
في حديث لا تنقصه الصراحة، كشف النواب الحقائق، وفضحوا المخططات والممارسات التي تهدد أمن بلادهم القومي، وصدعوا بالحق من دون خوفٍ أو ترددٍ. طالت الاتهامات راشد الغنوشي بتجاوز صلاحياته كرئيس للبرلمان التونسي؛ لا سيما في ملف الدبلوماسية التونسية والموضوع الليبي، ما يفسر غضب أحزاب تونسية، وكذلك رئيس الدولة الذي أكد أن الدولة التونسية لها رئيس واحد في الداخل والخارج. هناك حديث أيضاً عن ثرائه الفاحش، وتنديد صارخ حول تجاوزاته السياسية.
الشخصية المؤدلجة قرارها فردي، مرتبطة بالمرجعية أياً كانت، ولا تُعبر عن الموقف الرسمي للدولة أو الشعب؛ إلا أنها تبقى جزءاً مؤثراً؛ نظراً لموقعها الوظيفي في الدولة، وبالتالي تحمل خطاباً تهديدياً وتدميرياً لبلادها، من منظور آيديولوجي فئوي رغبوي، وهنا يكمن الخطر.
العقلية الطافحة بالنرجسية وتضخم الأنا، تنفرد في نموذجها، فهي تؤمن بالحوار الذي فقط يحقق مطالبها، وتتمسك بآيديولوجيتها وانتمائها حتى لو تعارضا مع المصالح الوطنية. رُزئ العالم العربي ببعض الشخصيات التي لا تزال تستمرئ خداع الشعوب وطرح الشعارات، وصانع القرار عليه أن يتحمل تبعاته كما في الحالة الغنوشية.
الغنوشي شخصية مؤدلجة بلا شك، ولكنه اختط لنفسه معادلة ذكية يمكن أن نسميها البراغماتية الانتهازية، وهي سلوك مكيافيلي في تقديري، وتعني أنه رغم أدلجته فإنه استطاع أن يجنب نفسه خسائر جماعته، ولا يقطع شعرة معاوية معها، بمعنى: هو معها عندما تربح، وينتقدها عندما تخسر، وبالتالي هو يحمي نفسه في الحالتين.
الغنوشي الذي درس الفلسفة كان ناصرياً، ليتحول بعد ذلك اشتراكياً ثم إخوانياً، وما يكشف أساليبه على سبيل المثال هو مهاجمته لـ«الإخوان» بشراسة، بعد سقوط الجماعة في مصر، مؤكداً أنهم «منفصلون عن الواقع والتاريخ»؛ مشيراً إلى أن «الفاتورة التي تحمَّلها المشروع الإسلامي بسبب (الإخوان) ستظل راسخة وشاهدة على فداحة التجربة». موقف الغنوشي ذاك كان لافتاً ومثيراً للجدل، ولكنه ليس مستغرباً لمن عرف شخصيته وتلونه وتكتيكه.
حديث الغنوشي جاء ليؤكد عدم قدرة جماعات الإسلام السياسي على بلورة مشروع سياسي يجمع مكونات المجتمع، ويتناغم مع متطلبات العصر. بديهياً عندما تقبل أي حركة سياسية الاشتراك في العمل السياسي، فإنها بذلك تنتقل من مرحلة الفكر إلى مرحلة الممارسة، ما يعني قبولها بمنطق اللعبة الديمقراطية.
غير أن الإشكالية تكمن في التناقض، فالمشروع السياسي شيء، وممارسة الفعل السياسي شيء آخر. وهو ما يدعم مقولة إن الحركات الإسلامية تعاني من ضآلة المنتج الفكري والخبرة السياسية؛ حيث يقتضي الظرف والزمان أحياناً اتخاذ مواقف قد لا تتفق مع المرجعية الفكرية. الغنوشي يردد شيئاً من ذلك علناً للتكسب الشعبي؛ لكنه لا يؤمن به ولا يقره.
الحقيقة ما تفوَّه به الغنوشي، وفي محفل ضم جماعات «الإخوان» هو ضربة موجعة للتنظيم الدولي عابر القارات الذي انطلق من مصر. إلا أنه أراد بذلك صناعة اسمه سياسياً، وقد نجح آنذاك في أن يبعد عن نفسه التهمة، وأنه يفصل الدين عن السياسة، واكتسح شعبياً في تونس في التجربة الأولى، مستغلاً تلك الورقة المتلونة.
من الواضح أن حزب «النهضة» استفاد دروساً من تجربة «الإخوان» في مصر، وبالتالي لم يسقط في الحفرة وقتها.
ذكاء الغنوشي استغل ارتفاع منسوب مستوى الوعي لدى الشعب التونسي، ولأجواء الديمقراطية التي عاشها التونسيون آنذاك، لا سيما احترامهم لنتائج صندوق الاقتراع وقبوله. بعد مضي سنوات من الحكم لم يستطع الحزب وممثلوه في الدولة الانطلاق إلى مشروع الدولة وتغليب مصالح الوطن. كان العائق الوحيد هو تدخل الآيديولوجيا من وقت لآخر، وتأثيرها على المسار الديمقراطي.
حركة «النهضة» أسقطت تونس حينذاك في الفوضى والاغتيال السياسي والخراب، لولا يقظة الشعب التونسي، وانكشفت براغماتية «النهضة» الخادعة، في كونها لم تتحرر من جمودية الآيديولوجيا، بدليل إخفاقها في الانتخابات، ما يعني فشلها في تحقيق تطلعات الشعب التونسي.
بعد سقوط مشروع «الإخوان» في تونس، يبدو أن موقع الغنوشي سيكون هو الآخر خارج المشهد السياسي، وهو الذي عجز عن الانفكاك من الآيديولوجيا والانتهازية. التاريخ اليوم يحاكم الغنوشي، والكلمة الفصل للشعب التونسي.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة