جميل مطر
كاتب ومفكر مصري مهتم بقضايا الإصلاح والتحول الديمقراطي.
TT

مع «كورونا» وبعده!

أسئلة وأسئلة أخرى وأخرى ولا إجابة واحدة شافية.
ننام على أسئلة ونستيقظ على اجتهادات. يهبط الليل بعباءته الكحلا فننام على الأسئلة نفسها وأسئلة استجدت. تتزاحم الأفكار وتختلط عند البعض بالكوابيس، ننهض في الصباح بطاقة أقل من طاقة نهضنا بها بالأمس، ولكن بأسئلة جديدة وشكوك أكثر في كل ما وصل إلينا خلال مرحلة «كورونا» من اجتهادات وإجابات. معذورون ولا شك. كنا جماعة بشرية تلقت حكماً باقتراب نهاية أعداد متزايدة من أفرادها. نقل هذا الحكم إليها ممثلون عن ائتلاف ضم خبراء طب وتحاليل معملية رفيعي المستوى ومساهمين كباراً جداً في شركات كبيرة جداً لصنع اللقاحات والأدوية وتأهيل التكنولوجيا وبخاصة في قطاع الذكاء الصناعي وإعلاميين وسياسيين أيضاً كبار جداً. لم يكن مسموحاً لغير الكبار جداً باللعب في هكذا «لعبة» خطيرة جداً.
***
كانت، ولا تزال، تجربة فريدة عشت لأرويها. لن أوفيها حقها. أعترف مقدماً. مررت في حياتي بأزمات حادة أو كنت شاهداً عليها، بعضها وبائي الطابع وبعضها تحديثي الاستعداد والحشد وبعضها ثوري الهدف، لم تأتِ واحدة منها في غرابة وغموض أزمة «كورونا» أو في حجم ضحاياها أو في ضخامة نفقاتها. مثلاً، كنت في مرحلة العبور من الطفولة إلى سن المراهقة عندما انفجرت أزمة وباء الكوليرا في مصر. أتذكر بالتفصيل ما حدث وأنا في هذه السن المبكرة. أذكر مثلاً رائحة المبيد وأذكر بصفة خاصة طعم محلول برمنجانات الصودا الذي فرض نفسه على جميع مأكولاتنا الطازجة. أذكر كثيراً من مشاهد وأحاديث الموت المتبادلة بين السكان في البيت وفي الشارع. حجم ما أتذكره عن الأزمة يكشف عن مدى تأثري بها. ومع ذلك غابت أزمة وباء الكوليرا ولم تخلِّف أسئلة لم نجب عنها. وبالأمانة لا أظن أنها تركت مهمات لتنشغل بها أجهزة مخابرات ومعلومات بحثاً عن إجابة لسؤال أو تأكيد لمسألة ثارت حولها شكوك.
لا أظن أني عشت أزمة خلّفت، وهي في أوجها، أسئلة كالمروحة اليابانية تتراوح موضوعاتها بين حدين أقصى. ترمب وحده مثال على ذلك. الرجل فقد في مطلع هذه الأزمة ظله. أقصد أن دونالد ترمب كان في نيته تجسيد شخصيتين في واحد، شخصية الرئيس الحاكم المنتصر على كل الجبهات وشخصية المرشح لولاية ثانية. عاش الرئيس السنة الثالثة من ولايته الأولى يحلم بجولة انتخابية تنقله من ولاية لأخرى يخطب في الناس. يحلم بنفسه مكتسحاً: أنا من لم يأتِ مثله في التاريخ الأميركي، أنا من حقق أكبر نسبة عمالة في تاريخ أميركا الاقتصادي، أنا من حقق أكبر نسبة نمو اقتصادي سنوي في التاريخ الأميركي. أنا وأنا وأنا... لن يقف في طريقي بند في الدستور ولا الدستور برمّته وآباؤه المؤسسون وأساطيرهم. أما نحن فقد جهزنا أنفسنا لانتخابات رديئة قد تكون فعلاً الأسوأ في التاريخ الغربي وليس فقط الأميركي.
وقعت الواقعة وهجم «كورونا» ولم يفلح ترمب في إزاحته من الصورة. للحق يجب أن نعترف بأنه بذل جهداً خارقاً ليبعدها عن واقع الانتخابات. أنكر وقوعها. زعم أنها مؤامرة من الحزب الديمقراطي. لم يختفِ. تحداه «كورونا» إلى حد أنه فرض نفسه بديلاً للحملة الانتخابية بمعنى أنه كأنه فرض على البلاد شعاراً بعد قليل صار أكثر من مجرد شعار. «لا حملة انتخابية من دوني، ولا سياسة لست طرفاً فيها، ولا موازنة عسكرية لم تحسب حسابي، ولا اقتصاد لم يخضع لإرادتي وقوة نفوذي».
رأينا كيف تخبطت القرارات التي اتخذتها إدارة الرئيس ترمب خلال الأشهر الثلاثة الماضية. رأينا بأم عيوننا رئيس الدولة الأعظم يظهر أمامنا بعد ليلة لم ينَمْ فيها أو أن مرضاً مسّه ذلك الصباح. رأينا لعشرات المرات مجموعة عمل طبية شكّلها بنفسه ونصّب على رأسها نائبه الذي فشل في تدريب المجموعة ليمثلوا فريقاً متعاوناً ومتكاملاً ومتفاهماً. رأينا الرئيس في عروض متواصلة يسلط غضبه على فيروس خطف منه حملة انتخابية. مرة يخترع أزمة دبلوماسية مع دولة ثم مع أخرى إلى أن أعاد اكتشاف حقيقة أن الصين تسعى لتصبح قوة عظمى. وليكتشف أيضاً، بقوة الجاسوسية الطبية أن الصين تأخرت في إبلاغ العالم بظهور وانتشار الفيروس في مقاطعة ووهان. أشعل مبكراً فتيل الحرب السياسية العالمية مع الصين، وكانت خطوة مؤجلة في حسابات موازين القوة. توالت المهاترات والقضايا. جاء وقت تحولت فيه منصة الحرب ضد الفيروس إلى منصة تخدم حملته الانتخابية لتعود بعدها منصة حرب، حتى امتلأت ساحات الكلام في كل أنحاء العالم بأسئلة لم تكن مطروحة من قبل في واشنطن أو في غيرها، وبعضها لم يحن موعد إثارته. خذ مثلاً:
أولاً، هل حقاً تأثرت موازين القوة العائلية في الدول التي تعرضت لهجمة «كورونا»؟ سؤال يثير الاستفزاز وبالتأكيد كان يمكن أن يرفض علماء الاجتماع مناقشته. ومع ذلك رأيناه بعد قليل يتصدر جداول اهتمام علماء في أوروبا وأميركا اللاتينية والولايات المتحدة.
ثانياً، هل أضاف «كورونا» قوةً ونفوذاً إلى قوة ونفوذ السلطة السياسية في مختلف دول العالم؟ قيل إن الاستعداد لمواجهة «كورونا» سمح للسلطة الحاكمة بالتغول في الساحة السياسية على حساب الحقوق والحريات ومساحات الحرية. قيل مثلاً إن السلطة السياسية استفردت بالشعب بعيداً عن القوى الناشطة التي تستفزه وتثيره. هي في الساحة وحدها فالطلبة يدرسون في منازلهم في غرف مغلقة، والفقراء تسلموا المعونات وينتظرون المزيد مقابل لا عمل، والقيود على النشر أفردت للسلطة كل المساحات لتقول ما تشاء. السؤال: هل يمكن أن يستمر هذا الوضع الذي سمحت به حالة طوارئ فيصبح طبيعة ثانية لحال تدهور الديمقراطية في دول الغرب؟
ثالثاً، أما وقد صار واضحاً أن «كورونا» صنيعة حلف التأم داخل قطاعات استثمارية تعمل على صعيدين؛ صعيد صناعة الأدوية وصعيد تكنولوجيات الذكاء الصناعي. الآن تداخلت القوى ذات المصلحة. تدخل الأمن مثلاً ليحصل على حقه من تأكيد رقابته على الأفراد وتقصي الأثر بحجة الحرص على وقف انتشار الفيروس. هل يعني هذا التطور الوصول بالخصوصية الفردية إلى نهاية طريقها؟ قيل إن في الصين الآن أكثر من 320 مليون كاميرا لتقصّي آثار المواطنين. سمعت من سأل إن كنا سوف نجد في المستقبل دولة تتصدر المطالبة بحماية خصوصية المواطن. وهل لو جدد الناخبون الأميركيون للرئيس ترمب نضمن ألا يزيل من الوجود منظمة دولية لحقوق الإنسان بعد أن قضى في الولاية الأولى على ثلاث أو أربع وكالات دولية شقيقات لها؟
رابعاً، هل ستُبقي الدول المتحالفة، والمنتصرة، على تجربة التعليم بالمنازل، فيصبح لدينا نظام جديد للتعليم كدنا من دون «كورونا» نفشل في تطبيقه؟ ثم هل نُبقي على ما حققته التجارة الإلكترونية من قفزات خلال فترة الإغلاق والحجْر؟ قيل إنها زادت في الصين بنسبة 400%، وبالتالي هل تتغير طبيعة التجارة الداخلية وما يلحق بها من سلوكيات استهلاكية وإعلانية؟
خامساً، هل تثبتت واشنطن من فرضية نهاية العولمة؟ وما البديل؟ وهل تثبتت من حاجتها إلى مسودة نظام عالمي جديدة تقوده منفردة. لاحظنا غياب أي جهد إبداعي وتجميع نحو تحقيق هذا الهدف، إن وُجد. هل سنرى أوروبا تهرول في اتجاه روسيا سعياً وراء تكامل إقليمي أوسع يضعف من احتمالات هيمنة قطبية ثنائية؟ هل تأكد للأوروبيين والروس والصينيين أن أميركا مالت نهائياً نحو العزلة الإقليمية على حساب مبادئ التعاون الدولي؟
وأسئلة أخرى...