إنها الفوضى الكبرى!

إنها الفوضى الكبرى!

الأحد - 17 شهر رمضان 1441 هـ - 10 مايو 2020 مـ رقم العدد [15139]
سوسن الأبطح
أستاذة في "الجامعة اللبنانيّة"، قسم "اللغة العربيّة وآدابها"، صحافيّة وكاتبة في جريدة "الشّرق الأوسط"

يعود القراء بشهية إلى «العالم الأعمى»، الرواية الجميلة التي كتبها نجم أدب الخيال العلمي في أميركا، ستينات القرن الماضي، دانييل فرنسيس غالوي. ومع الاختلاف الكبير بين الظرف الذي كُتبت فيه الرواية يوم كانت المخاوف من شراسة الحرب الباردة، ورعب التهديد النووي على أشدهما، يبقى التشابه قائماً. فأبطال الكتاب كُتب عليهم العيش في ظلام دامس، ويعانون الأمرَّين في الحلكة، ويتلمسون طريقهم إلى النور، تماماً كما نكابد اليوم من فقدان البوصلة، ونتخبط كالعميان لإيجاد حلول للكارثة الوبائية الكونية التي نعيش.
إذا كان فقدان التصور للحلول ظهر مع بروز الجائحة، فإن التقدم بالزمن لا يشي بوضوح الرؤية؛ بل بمزيد من «اللايقين».
بعد شهرين من العيش على طريقة أهل الكهف، يئس قادة العالم وهم يواجهون مجتمعاتهم تخسر أعمالها، الشركات تفلس، وعائلات تصبح على قارعة الطريق.
رفع الحجْر يتم في عز الوباء، كما في أميركا؛ حيث الضحايا بالآلاف، وفرنسا رغم تناقص عدد الوفيات، تعدُّ خطة الحجْر الجديد، مع توقع غير مستبعد لانتكاسة قد لا تكون بعيدة. الضبابية ليست عند القادة وحدهم، الناس أيضاً لا يعرفون ما يريدون، إن وضعتهم في البيت تأففوا، وإن أخرجتهم خافوا واتهموا ساستهم باللامسؤولية. وها هم في فرنسا يخشون العودة إلى المدارس، ويقولون بنسبة ساحقة إن لا ثقة لهم بقرارات الحكومة التي أظهرت استهتاراً؛ لكن في الوقت نفسه فإن ثلثي الشعب يريد رفع الحجْر.
كيف تفسر الرغبة الشعبية وضدها؟ تلك هي المعضلة؛ فالألمان وبالتزامن مع فخرهم بقدرة حكومتهم الاستثنائية على إدارة الوباء وخفض عدد الموتى، خرجوا يحتجون على تقييد حريتهم، ويطالبون بتحريرهم، ويتهمون المستشارة ميركل بالمبالغة وسوء الإدارة.
تناقضات لا تتأتى من مزاحية وخفة، بقدر ما هي انعكاس لأزمة فقدان المعلومة الموثوقة التي يمكن الركون إليها، واتخاذ قرارات تخرج من حيز التجاريب المغامراتية.
ضاع العلماء وضيعونا معهم. كما دخلنا المحاجر في جهل، خرجنا منها بغموض أكبر. ملايين يعودون إلى مكاتبهم، ومقاهيهم، ومطاعمهم، ومدارسهم، بينما لا تزال العدوى مستشرية، والفيروس مجهول الطباع والهوية. وما يؤكده لنا علماء اليوم، تعود مختبرات أخرى لتعلن عن عكسه غداً. فبعد أن أُخبرنا بأنها مجرد إنفلونزا عادية، تبين أن نسبة الوفيات ثلاثة في المائة، ثم اتضح أنها في أماكن أخرى أكبر بكثير، ليعود مركز أبحاث فرنسي ويعلن منذ أيام، أنها نصف في المائة؟ من نصدق؟ إلى أي بحث نستند؟
وبينما تحذِّر منظمة الصحة من الموجة الثانية التي قد تكون بدأت، وهي أعتى مما شاهدنا، تطمئن مراكز علمية إلى أن شمس الصيف كفيلة بقتل الفيروس وإراحتنا حتى الخريف، على أقل تقدير.
ودخلت بريطانيا ودول مثل هولندا مغامرة الوباء بنظرية «مناعة القطيع» لنعرف بعد عشرات آلاف الموتى أن الوصول إلى مناعة السبعين في المائة محال من دون مجزرة كبرى، وأن من أصيبوا في فرنسا مثلاً لم يتجاوزوا الستة في المائة. وواحدة من النتائج الجديدة المذهلة، ما صدر عن «معهد باستور» في فرنسا، بعد متابعة حثيثة لتلامذة المدارس، تقول إنهم حين يصابون بالمرض، نادراً ما ينقلون العدوى لأقرانهم، أو أي من الكبار الذين يخالطونهم، حتى لو تبادلوا معهم القبل. هل نفهم أن ملايين التلامذة الذين ضيعوا عامهم الدراسي؛ حيث شلّ التعليم بالكامل، باستثناء في خمسة بلدان أو ستة، كل هذا كان مجرد خطأ، أم أن العودة إلى الصفوف، كما يخشاها البعض، ستكون القاضية؟ لا إجابة عن أي سؤال، ولا حتى عن مصدر الفيروس، وطريقة انتشاره. الموضوع تحول إلى حرب سياسية كيدية، بينما الضحايا يتساقطون كأوراق الشجر. وآخر أغرب الدراسات تدل على أن سلالة أخرى من فيروس «كورونا» كانت موجودة في فرنسا، حين ظهر في يوهان شهر يناير (كانون الثاني). بمعنى أن الفيروس وجد في أكثر من مكان في وقت واحد، بنسخات مختلفة، منها ما اندثر، وبينها ما انتشر. فرضية لم يلتفت لها؛ لكنها قد تُنبش عند الحاجة، لخدمة مصلحة هنا، أو هناك.
هل بات العلم ضحية السياسات الرعناء لقادة جهلاء، لا هم لهم سوى الفوز في الانتخابات؟ وهم إن فازوا قلصوا تمويلاتهم للبحاثة، وإن أحرجوا أغدقوا عليهم بالمليارات، وحين يخرج هؤلاء بنتائج سرعان ما تستثمر بنفعية وانتهازية، بدل أن تحتضن وتحمى، كي تتمكن من السير إلى الأمام، من دون وضعها تحت ضغط الترويج والتهريج.
لا يمر يوم إلا ويطل علينا مسؤول، يعلن أن بلاده وجدت الدواء الشافي، هذا ليس من العلم في شيء. مجرد استعراضات إعلامية. الأدوية لا يعلن عنها قبل اختبارات طويلة على أعداد كافية من البشر، كي لا يتحول العلم إلى نكتة، والكلام عن لقاح إلى مادة لتعبئة فراغ الخطابات الهزيلة.
عشرات آلاف البحّاثة يعملون حول العالم، من أجل إنقاذ البشر من محنتهم، هؤلاء أكثر ما يحتاجونه هو الهدوء والتشجيع على الموضوعية، كي يحافظوا على رصانتهم وحياديتهم. ففي رواية غالوي، لشدة ما يكابد سكان الكهف المظلم من العتمة وفقدان البصر، تنمو لديهم قدرات تعويضية فائقة في حاستي السمع والشم؛ لكنهم مع ذلك، حين يخرجون إلى النور، لا يبدو أنهم قادرون على عيش أفضل مما كانوا فيه. فإدمان العمى يصبح بحد ذاته مشكلة، ولو كانت أحداقنا مفتوحة. هذا ما يخلص إليه البديع خوسيه ساراماغو في روايته الشهيرة «العمى» حول وباء يفقد الناس نظرهم، ويوقعهم في شر نياتهم. فبطلته الطيبة تقول في النهاية: «لا أعتقد أننا عمينا؛ نحن بشر يرون؛ لكنهم في حقيقة الأمر لا يبصرون».


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة