«كورونا»... «ديمقراطية الابتلاء» وحساب المراجعات

«كورونا»... «ديمقراطية الابتلاء» وحساب المراجعات

الثلاثاء - 27 شعبان 1441 هـ - 21 أبريل 2020 مـ رقم العدد [15120]
محمد فهد الحارثي
إعلامي سعودي

قد ينتابك شعورٌ بوجود كلمة كورونا في العنوان أن الموضوع أصبح مستهلكاً ومملاً. وأتفق معك أننا أخذنا جرعة كورونية معلوماتية تفيض عن الحاجة وتزيد. والكثيرون يفتون فيها وأصبحنا نعتقد أنفسنا أطباء أو خبراء.
لكن موضوعنا هو النظر إلى كورونا كوباء من منظور الحاجة إلى فهم وجوده وانتشاره في الوقت هذا بالذات. وربما النظر إلى السياقات التي أتي منها هذا الوباء. فالأحداث لا تأتي جزافاً، بل هي ضمن مسببات وخلفيات ندرك بعضها وتغيب عنا أشياء. قد نحتاج إلى نظرة تحليلية من زوايا مختلفة ضمن اجتهادات تتحمل الخطأ والصواب.
فالسياق التاريخي يحكي عن أوبئة مرت بالبشرية من قبل الميلاد وحتى الآن، وهذه ارتبطت بمعطيات في وقتها وربما أشهرها الطاعون الدملي أو ما سمى «الموت الأسود» في 1347، ويقال إنه انطلق من الصين، وتسبب في وفاة نحو 200 مليون شخص.
ما يهم أن في كل وباء مر على البشرية كانت هناك مسببات في حينها، وأيضاً نتائج خطيرة تصل إلى انهيار دول. هذه الأحداث تحتاج إلى منظور كلي يتابع الأحداث بخلفياتها التاريخية لكي يوجد العلاقة والمعطيات التي فرضتها اللحظة التاريخية.
والأوبئة تتداخل مع البيئة، فهناك سياق بيئي لكل وباء، فحينما تجاهل الناس في مرحلة تاريخية سابقة نظافة البيئة سواء للمكان أو الأفراد، وتداخلت الشعوب مع بعضها في الماضي ضمن التطور والتواصل بين المجتمعات عبر تنقل التجار في قوافلهم أو البضائع في البواخر كانت النتيجة أن الأمراض المحصورة في مكانها تحولت إلى وباء يقضي على الملايين.
وحالياً انتهازية الإنسان للبيئة وجبروته على الطبيعة وتعامله كأنها جزء من ممتلكاته محدثاً فيها اختلالات جسيمة أثرت على التوازن البيئي. وقد مارس الإنسان أنانيته على الطبيعة التي أنتجت التلوث والاحتباس الحراري والاختلال في التنوع الحيوي والأمطار الحمضية وثقب الأوزون.
هذه العوامل البيئية لها علاقة بتهديد صحة الإنسان، وهي التي أوجدت أمراضاً مختلفة وفاقمت من أمراض الجهاز التنفسي، وأثرت على الإنسان والحيوان. وفي ظل هذا السياق يمكن أن ندرك أن وجود الوباء يرتبط بهذا السياق البيئي. وهذه العوامل بعضها أو مجتمعة تؤثر سلباً على الإنسان، وتكون الأرضية التي تنطلق منها الأوبئة التي تهدد حياة البشرية.
ويمثل الجانب السكاني عاملاً مهماً في التغيرات الحاصلة في العالم، فالطفرة السكانية الهائلة حيث يزيد عدد سكان العالم بأكثر من 79 مليون نسمة كل عام، تحد خطير في مظل محدودية المصادر الطبيعية، ويزيد من حدة التنافس على الموارد والقساوة بين الدول والأفراد في سبيل حصول كل طرف على الحصة الأكبر.
ويمثل الانفجار السكاني واحداً من مصادر القلق للسياسيين والمنظمات العالمية، ويقول روبرت ووكر، نائب رئيس المعهد السكاني، إنه في ظل زيادة السكان وشح الموارد كالماء والغذاء في العالم، فهناك مخاطر تهدد كوكب الأرض، ويبدو أنه بحلول عام 2050 سيحتاج العالم إلى كوكبين لاستيعاب الناس.
وهناك من يربط بين الزيادات السكانية والأوبئة القاتلة، والبعض يذهب، لتبسيط الأمور، بترديد نظرية المؤامرة، وأن العلماء يلجأون إلى هذه الأوبئة للسيطرة على الزيادة السكانية، ويعتبرون هذا عملاً نبيلاً من أجل البشرية!
ويواجه العالم الكثير من الأسئلة التي تنطلق أوقات الأزمات وتبدأ معها المراجعات. وهذا يطرح السياق الاجتماعي، فالنظام السياسي والاقتصادي العالمي يفتقد للعدالة، ويقوم على مبدأ التصنيف القاسي، الكبار وهم الذين يستحوذون على الموارد والثروات، والضحايا الذين يعيشون على التبرعات والمساعدات. وهذا لا ينطبق على الدول، بل حتى أيضاً على الأفراد.
وحينما تمارس الدول الأنانية المفرطة من باب «أنا ومن بعدي الطوفان»، يصبح العالم معرضاً للأوبئة والمخاطر، فالمسؤولية المشتركة تغيب ويتحول الكون إلى جزر معزولة، كل يمارس ما يحقق مصلحته حتى لو كان على حساب الغير. وأثبتت النظرية المتجذرة بأن ليبرالية الأسواق وتحرير التجارة ليست ناجعة في كل الأوقات، وبدأت المراجعات الآن من منظري هذا الفكر الذين روّجوا أن سعادة الإنسان مرتبطة بحرية الأسواق، وهذه المراجعات قد لا تهد الكيان، فهذه الآيديولوجيات مرنة وعملية، لكنها ستفتح الباب لتعديلات ورؤى جديدة.
من يقرأ الرئيس الأميركي ترمب في تغريداته وهو يصرخ ضد استمرار الحظر: «حرروا مينيسوتا»، «حرروا ميتشيغان» و«حرروا فيرجينيا» يعتقد أن الرفيق تشي جيفارا بُعث من قبره، وليس رئيس أكبر دولة رأسمالية في العالم. بالتأكيد الواقع يفرض التغيير.
الآن الأسئلة تطرح أين الخلل، وحديث عن نظام عالمي جديد. وهل الأنظمة الليبرالية هي الحل في ظل عجز وانكشاف هذه الدول وتعثرها في معالجة الوباء وانهيار النظام الصحي من الداخل.
ومهما كان التقدم العلمي والتكنولوجي مبهراً، فما فائدته في غياب العدالة والنظرة الأحادية. هل يكفي البناء الخارجي مبدعاً، لكن من الداخل فوضى وتناقضاً صارخاً.
هذا السياق الاجتماعي غير العادل سواء على مستوى الدول أو الأفراد يحتاج إلى لحظة توقف ومراجعة وشفافية مع الذات. لا شيء يأتي من غير سبب، فالأمور مسببة حتى لو بدت العلاقة غير واضحة في اللحظة.
الوباء ابتلاء، لكنه رسالة تحمل مضامين؛ فالعالم لم يعش كمجموع أزمة مشتركة تلامس كل فرد مثل ما يمر به حالياً، وربما أوجد شعوراً مشتركاً وهو «ديمقراطية الابتلاء»، فالوباء أصاب الغني والفقير والدول المتقدمة والفقيرة. وهذا الأمر يجعل مسؤولية القضاء عليه مشتركة وعملاً إنسانياً مشتركاً يتجاوز السياسية وحسابات الاقتصاد.
كورونا حدث يمكن أن يكون نقطة تغيير لصالح البشرية، فكثير من الأزمات تفتح المجال لمراجعة الأخطاء وتصويب الاتجاه وتغليب العقل والعدالة، ليس على مستوى الدول والتي هي في أمس الحاجة إلى هذه المراجعة، بل أيضاً وحتى الأفراد؛ فالضمير الذاتي سلاح يحمي الإنسان ويجنبه الصراعات ويصنع السلام.


مقالات رأي اخرى

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة